[sg_popup id=1]
الرئيسية \ تحقيقات \ 4394 منشأة صناعية تصرف السموم بالنيل.. والضحايا 60 ألف مريض سنوياً

4394 منشأة صناعية تصرف السموم بالنيل.. والضحايا 60 ألف مريض سنوياً

تحقيق: بسمة إبراهيم

 «أقسم أني ما قتلت نفساً وما لوثت ما ء النيل».. هذا هو القسم الرسمي المقدس لدى جموع القدماء المصريين، وهو القسم الدستوري والشرعي للبلاد، والذي لا يجوز لأي مواطن أو مسئول بما فيهم ملك البلاد أن يتولى منصبه أو تسمع شهادته أمام القضاء قبل أن يتلو هذا القسم أمام كهنة المعبد، ليكشف لنا عن قدسية نهر النيل.

ليس هذا فحسب بل إن المصريين القدماء اعتبروا تلويث نهر النيل جريمة عظمى وكبيرة من الكبائر التي لا تغتفر حيث جاء في «كتاب الموتى» المقدس: «أول ما يحاسب عليه الميت هو جريمة تلويث النهر المقدس، فمن ارتكبها تحرمه الآلهة من النعيم».

وتقديس الفراعنة لنهر النيل لم يكن ببعيد عن شعائر الديانة المسيحية التي جعلته مقصداً لصلاتها، ولم يكن بعيداً عن الدين الإسلامي الحنيف، حيث قال المصطفي صلي الله عليه وسلم: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة».

إلا أن النهر الخالد الذى كان يعبده القدماء المصريون، وتصلي لأجله الكنائس المصرية، وتقدس الشعائر الإسلامية، تحول بقدرة قادر إلى «مقلب زبالة»، ومن شريان للحياة إلى شريان للموت.

وبعد خراب مالطا أعلنت وزارة الري والموارد المائية عن إطلاق أكبر حملة في تاريخ الوزارة لتطهير مجرى نهر النيل أطلقت عليها «الحملة القومية لإنقاذ نهر النيل».

«مياه الصرف الصحي»

في البداية أكد المهندس أشرف فضه مدير عام بوزارة الري، والباحث المتخصص في شئون مياه النيل، أن تعدد جهات الولاية على نهر النيل أحد الأسباب التي أدت إلى تدهور أحوال مياه النيل، وأدى إلى ضياع المسئولية بين عدد كبير من الوزارات التي تقوم بالإشراف عليه ما بين وزارة الري والموارد المائية، والزراعة والإسكان والصحة والتنمية المحلية، والداخلية ووزارة قطاع الأعمال العام ووزارة البيئة، ولا توجد جهة واحدة مسئولة مسئولية مباشرة ومحددة لحماية نهر النيل.

فعلى سبيل المثال نجد أن وزارة الزراعة يتبعها الجزر النيلية والثروة السمكية، ووزارة الرى مسئولة عن الترع والمصارف وتوزيع حصص المياه، ووزارة الإسكان مسئولة عن محطات مياه الشرب المنتشرة بطول النيل، ووزارة النقل مسئولة عن قطاع النقل النهرى، والداخلية يتبعها شرطة المسطحات المائية، ووزارة الصحة مسئولة عن صحة وسلامة عينات المياه للتأكد من صلاحيتها للشرب، ووزارة البيئة جهة مسئولة عن البيئة المائية للنيل، ووزارة التنمية المحلية مسئولة عن المحلات والكازينوهات والمنشآت المحيطة بطول نهر النيل.

وأضاف فضة أن أحدث الدراسات الصادرة عن مجلس الوزراء أكدت أن هناك أكثر من 339 منشأة ما بين حكومية وأهلية تقوم بصرف مخلفاتها الخطرة على النيل مباشرة، منها ٢٢٣ موقعاً تصرف مياه الصرف الصحى فى مياه نهر النيل، ونحو ١١٦ موقعاً تصرف مياه الصرف الصناعى في النيل مباشرة، وهو الصرف الأخطر على التوازن البيئى.

وأشار فضة إلى أن تلوث مياه النيل أدى إلى ارتفاع عدد الأطفال الذين يموتون نتيجة الإصابة بالنزلات المعوية والذين يقدر عددهم بنحو ١٧ ألف طفل سنويا بسبب تلوث المياه إلى جانب تأثيره على الثروة السمكية، حسب إحصائيات مجلس الوزراء.

كما أكدت الدراسة ارتفاع نسبة الفشل الكلوى لدى المصريين بسبب تلوث مياه النيل إلى حوالى ٤ أضعاف مثيلاتها فى العالم، حتى بلغ عدد المصابين بالفشل الكلوي نتيجة تلوث المياه إلى ١٣ ألف حالة فشل كلوى، بالإضافة إلى ٦٠ ألف حالة سرطان مثانة، كما اشارت الدراسة إلى أن وزارة الصحة تنفق سنوياً نحو 600 مليون جنيه لشراء أمصال مضادة للأمراض المعوية الناتجة عن تلوث المياه.

وأكدت الدراسة أن خسائر مصر الإقتصادية نتيجة تلوث مياه النيل تقدر بنحو 3 مليارات جنيه، اي ما يعادل نحو ٦% من إجمالى الدخل القومى للبلاد.

وأشار المهندس أشرف فضة إلى أن وزارة البيئة قامت بعمل دراسة متخصصة عن مصادر «الملوثات الصناعية غير المعالجة أو المعالجة جزئيا» لنهر النيل، وانتهت الدراسة إلى أن هناك نحو 4.5 ملايين طن سنويا مخلفات صناعية صلبه يتم طردها في نهر النيل يومياً، منها نحو 50 ألف طن مواد ضارة جدا، و٣٥ ألف طن من قطاع الصناعات الكيميائية الخطرة، فضلاً عن ٢٧٠ طن من المخلفات العضوية الصناعية التي يتم صرفها في نهر النيل يوميًا.

«أولاد الأرض»

ومن جانبه قال الدكتور محمد الأنور الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الفيوم أن كمية مياه الصرف الزراعى التى تصب فى نهر النيل تقدر بنحو 2 مليار متر مكعب سنوياً، وأن هذه الكمية تحتوى على كميات كبيرة من الأسمدة وأملاح الفوسفور والفوسفات والنترات والأمونيا والنيتروجين، كما تحتوى على مواد عضوية ثابتة مثل بقايا المبيدات، والتى تترسب فى الأحياء المائية والحيوانات، ثم تنتقل للإنسان بأنواع مختلفة من السرطانات والأمراض الوبائية.

وأضاف الأنور هناك ١٢٠٠ منشأة صناعية تتبع القطاع الخاص، و١١٨٢ مصنعاً تابعاً للقطاع العام، ١١٠٠ مصنعاً تابعاً للحكم المحلى و٢١٢ مصنعا تابعا لوزارات مختلفة تؤدى إلى تلوث المسطحات المائية و٧٠٠ مصنع فى ١٧ محافظة تلقى مخلفاتها المائية فى النيل مباشرة، بإجمالى 4394 منشأة صناعية.

وأشار لإلى أن ٧٣% من المصانع لا تعالج المخلفات السائلة و١٤% تقوم بمعالجة جزئية وأن ٤٧% من المخلفات تلقى فى نهر النيل فى منطقة القاهرة الكبرى و٢١% منها تلقى فى الترع خاصة ترعة المحمودية و٢٨% تلقى فى المصارف ٣.٥% تلقى فى بحيرات التمساح والمنزلة ومريوط وقارون.

وأكد الدكتور محمد الأنور أن هناك عدد من المناطق يتم تصنيفها على أنها مصادر خطرة للتلوث باعتبارها الأكثر تلوثا فى النيل، يأتي في مقدمتها محافظة أسوان التى تضم مصانع كيما التي تلقى مخلفاتها السائلة في نهر النيل، تليها محافظة قنا والتي تضم مصانع السكر، وفى محافظة سوهاج تتركز مصانع الصابون ومصانع تجفيف البصل التى تلقى بمخلفاتها فى النهر مباشرة.

أما في محافظة أسيوط فإن الكارثة غير مسبوقة في تاريخ التلوث والأمراض البيئية، حيث تقوم مصانع أسمدة السوبر والفوسفات والأسمنت تصب مخلفاتها مباشرة في نهر النيل، وهو نفس ما يحدث في الحوامدية حيث تقوم مصانع السكر والتقطير والنسيج والكيماويات بصرف مخلفاتها في النيل، وهو نفس ما تقوم به مصانع المنطقة الصناعية بحلوان.

وأوضح الأنور أن جهاز شئون البيئة أصدر مؤخراً تقريراً أكد فيه أن هناك 72 مصرفًا زراعيًا بمحافظات الصعيد فقط تلقي نحو 12.7 مليار م2 سنويًا من مياه الصرف الزراعي المحملة بالمبيدات والكيماويات المخلفات الزراعية الخطرة في مياه النيل مباشرة دون اي معالجة.

كما أن هناك نحو 872 مليون م3 من مياه الصرف الصحي من قرى الصعيد، يتم تصريفها مباشرة على مياه النيل، فضلاً عن 150 مليون م2 من مياه الصرف الصحي الناتجة عن المنشآت الصناعية التي تتبع وزارة التموين فقط وعددها 8 مصانع منها 6 مصانع لصناعة السكر و2 لصناعة الورق، كما أن هناك نحو 14 محطة كهرباء تلقي أكثر من 4 مليارات م3 من مياه التبريد في النهر.

«مصارف الموت»

ومن جانبه قال الدكتور نادر نورالدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة وخبير المياه الدولي إن نهر النيل يعاني من تفاقم وتعدد مصادر التلوث الزراعي والصناعي من أسوان وحتى المصب.

وشدد نور الدين على أن هناك نحو 102 مصنعاً يمثلون خطورة داهمة على حياة المصريين، حيث يصرفون سنوياً نحو مليار متر مكعب من المخلفات الصناعية والكيميائية بنهر النيل.

 بالإضافة إلى 5 آلاف حوض حكومى لتجميع مياه الصرف الصحى، تقوم بصرف مخلفاتها على النيل مباشرة، ودون أى معالجة حقيقية.

وأشار نور الدين إلى أن هناك عدداً من المصارف التي تعد من أخطر مصادر التلوث لنهر النيل، يأتي في مقدمتها مصرف «كوتشينر» التى تصب مخلفات 3 محافظات فى بحيرة البرلس، وهناك «مصرف المحيط»، بالإضافة إلى مصرف «الرهاوي» الذى يعد من أخطر بؤر التلوث فى مصر، لأنه يلقى بكل ملوثات محافظة الجيزة فى فرع رشيد أمام قرية الرهاوى.

وطالب نورالدين بسرعة إنقاذ نهر النيل من هذه المصارف، مؤكداً أنها تحمل المئات من الأمراض الخطرة، حيث تحتوى على البكتريا القولونية، والفيروسات الخطيرة التى تسبب التيفود والكوليرا وشلل الأطفال، مشيراً إلى أن حل هذه الأزمة في إقامة محطات معالجة ثلاثية قبل ضح مياه الصرف الصحى أو الزراعي فى النيل، فضلاً عن إقامة محطات للمعالجة المتقدمة تكون خاصة بمياه الشرب، لأن المعالجة الثلاثية لا تقضى على الفيروسات الخطرة وخاصة فيروس الكبد الوبائي C وفيروس شلل الأطفال.

عن بسمة ابراهيم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: