عاجلكتاب اليوممقالات

إذا أردنا أن نُصلِح المُجتمَع

بقلم / محمــــــد الدكــــــــرورى 

قد بشَّرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – بانتِصار الإسلام وظُهورِه مهما تكالَبتْ عليه الأعداء، وتألَّبتْ عليه الخُصوم؛ فعن تَميم الداري – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلَغ الليل والنهار، ولا يَترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدِّين بعِزِّ عَزيز أو بذُلِّ ذليل، عزًّا يُعزُّ الله به الإسلام، وذلاًّ يُذلُّ الله به الكفْر) وإذا أردنا أن نُصلِح المُجتمَع، فإن علينا أن نعلَم أنَّ أيَّ واقع لن يخلو مِن عَناصرَ إيجابيَّة وأخرى سلبيَّة، ومُهمَّة المُصلِح لا تبدأ من الصفر، بل هي تَنبيه الناس إلى الإيجابيات الموجودة بينهم وتقويتها، وتقليل السلبيات ومُحاصَرتها، أي أن نتقبَّل عنهم أحسن ما عَملوا ونتجاوَز عن سيئاتهم، والقرآن الكريم له منهج رائع، وهو أنه يَبدأ بذكر الإيجابيات ويؤخِّر ذِكرَ السلبيات، حتى وإن كانت الإيجابيات قليلةً والسلبيَّات هي الغالِبة، فحين تحدَّث عن أهل الكتاب – ونحن نعلم أن أكثرهم ضلُّوا الطريق – بدأ بذكْر القِلَّة التي ظلَّت ثابتةً على إيمانها؛ فقال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ وحين تحدَّث عن مُعامَلاتهم بدأ بالإيجابي، وهو: ﴿ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ وبعدها ذكَر الفريق الثاني الذي لا يُحافظ على الأمانة، وهو: ﴿ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ ورغم أنه الفريق الأكثر عددًا وبالعودة إلى منهج القرآن في التعامل مع حادثة الإفك، وهي قضية حسَّاسة نُواجِه مثلَها كثيرًا في حياتنا، فحين نتأمَّل سورة النور نجد أن مُعالَجة القرآن تركَّزتْ في المقام الأول على تفاعُل الناس مع الإشاعة وليس على مَضمون الإشاعة، فلم يكن الجزْء الأكبر مِن المُعالَجة القرآنية هو نفي وقوع الحادِثة، ونحن نعلم يقينًا أنها إفْك وافتِراء على أُمِّنا الطاهِرة المُطهَّرة بنت الصديق – رضي الله عنها – لكن أولويَّة القرآن كانت هي تحذير الناس من مجرَّد الخَوض في مثل هذه الشائعات مستقبلاً؛ ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ويقول عز وجل ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا ﴾ وذلك لأن إشاعة الحديث عن الفاحشة هو أخطر مِن الفاحِشة ذاتها، على افتراض أنها وقعتْ، فلو ضَعُفتْ نفس إنسان وعصى الله في السرِّ، فإنه يَبوء بإثمِه وحده، بينما تبقى الصورة العامَّة للمجتمع ناصعةً مُشرِقةً باعثةً للأمل، أما تلقِّي الناس لمثل هذه الأحاديث بألسنتِهم وتَداوُلها في مَجالِسهم، فإن ضرره يَطول المجتمع بأسره؛ وذلك لأنه يُهيِّئ الأجواء للمزيد من الانحرافات، إذ تتعزَّز الأخيلة والخواطر المريضة التي تُزيِّن لصاحبها البحث عن الحرام، كما أن هذا الحديث يعدم ثِقَة الناس بعضهم ببعض، ويُعزِّز الريبة والشك، ويَقتل مَشاعر الحبِّ والخير في نُفوسِهم؛ مما يؤدِّي بالمجتمع إلى الهلاك وإن الإسلام يريد أن يُطهِّر قلوبنا مِن التصوُّرات السلبية، والأخْيِلة المَريضة، وألا يَكون تفكير الناس نحو أرجلِهم؛ بل تَنصرِف همَّتُهم إلى معالي الأمور، وأن يَشغلوا أنفسهم بالعمل الإيجابيِّ المُثمِر، الذي يَجلب لهم خير الدنيا والآخِرة وسعادتهما وإن الناس اليوم بحاجة إلى مَن يبثُّ في نفوسهم الأمل، ويُيسِّر لهم طريق الخير؛ بتعزيز استِحضار النماذج المُشرِقة؛ حتى يتَّخذونها أسوةً تُبلِّغهم الطريق، أما فقه (زمن الفتن)، فإنه لن يُساهِم في أي رِفعة أو حَضارة، وهو سيُؤدِّي إلى اعتِزال المُخلِصين لمُعترَك الحياة، والعضِّ على جذْع شجَرة بالنواجِذ، وترْك الساحة لأصحاب المبادئ الهدَّامة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى