مقالات

الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخُلق الحسن

بقلم / محمـــــــد الدكـــــــرورى
من الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخُلق الحسن، الصبر فالصبر يحمل على الاحتمال، وكَظْم الغيظ، وكف الأذى، والحِلْم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة وايضا العفة فهي تحمل على اجتناب الرذائل من القول والفعل، وتحمل على الحياء؛ وهو رأسُ كلِّ خير، وتمنع من الفحشاء وكذلك الشجاعة فهي تحمل على عزة النفس، وإباء الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشِّيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وهي تحمل صاحبَها على كظم الغيظ، والحِلْم وكذلك العدل فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط وتكلُّف البِشْرِ والطَّلاقة، وتجنُّب العبوس والتقطيب فقال ابن حبان رحمه الله: “البشاشة إدامُ العلماء، وسجيَّة الحكماء؛ لأن البِشْرَ يُطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجانَ المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي”، وقيل للعتابي: إنك تلقى الناسَ كلَّهم بالبِشْر، قال: دفعُ ضغينة بأيسرِ مؤونة، واكتساب إخوانٍ بأيسرِ مبذول وما اكتسب المحامدَ حامدوها بمثلِ البِشْرِ والوجهِ الطَّليق بل إن تبسُّم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقةٌ يثاب عليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أخيك لك صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي). والابتسام للحياة يُضيئها، ويُعين على احتمال مشاقِّها، والمبتسمون للحياة أسعدُ الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم، بل هم أقدرُ على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأجدرُ بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم، وتنفع الناس؛ فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعابَ فيلذُّه التغلُّبُ عليها، ينظرها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويُخفِقُ فيبتسم، وإذا كان الأمرُ كذلك، فأحرى بالعاقلِ ألا يُرَى إلا متهلِّلاً وكذلك التغاضي والتغافل وهو من أخلاقِ الأكابر، ومما يُعينُ على استبقاء المودَّة واستجلابها، وعلى وَأْدِ العداوة، وإخلاد المباغَضة، ثم إنه دليلٌ على سموِّ النفس، وشفافيتها، قال ابنُ الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: “وكان صبورًا على ما يكرَه، كثيرَ التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلِمه بذلك، ولا يتغيَّر عليه، وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعضُ المماليك بعضًا بسرموز (يعني: بنعل) فأخطأته، ووصَلت إلى صلاحِ الدين فأخطأته، ووقَعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يُكلِّم جليسَه؛ ليتغافل عنها” وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطيُّ رحمه الله كثيرَ التغاضي عن كثيرٍ من الأمور في حقِّ نفسه، وحينما يُسأَلُ عن ذلك كان يقولُ: ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه *** لكنَّ سيِّدَ قومِه المتغابي وايضا الإعراض عن الجاهلين فمن أعرَض عن الجاهلين حمى عِرْضَه، وأراح نفسه، وسلِم من سماع ما يؤذيه؛ فقال عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]. فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجلُ على نفسه عزتَها، والعرب تقول: “إن من ابتغاء الخيرِ اتقاءَ الشرِّ”، ورُوي أن رجلاً نال من عمرَ بن عبد العزيز، فلم يُجِبْه، فقيل له: ما يمنعك منه؟ قال: التُّقى مُلجِمٌ وايضا العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان فهذا سبب لعلوِّ المنزلة، ورِفعة الدرجة؛ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «وما زاد اللهُ عبدًا بعفو إلَّا عزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ لله إلا رفعه اللهُ»؛ رواه مسلم، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “أحبُّ الأمور إلى اللهِ ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجدةِ، والرِّفق بالعَبَدَةِ”، وقال الشافعي رحمه الله: أرحتُ نفسي من ظلم العدواتِ *** لَمَّا عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدِ فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجدر بالعاقل كما قال ابن حبان: “توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبَبَ لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماءِ الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلِها” وايضا الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل وذلك بأن يأخُذَ منهم ما سهُل عليهم، وطوعت له به أنفسُهم سماحة واختيارًا، وألا يحملهم على العَنَتِ والمشقَّةِ؛ قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].ومن فوائد حُسن الخُلق ان حسن الخلق من أفضل ما يقرِّبُ العبد إلى الله تعالى وايضا إذا أحسن العبدُ خُلقه مع الناس أحبَّه الله والناس و حَسَن الخُلق يألَفُ الناسَ، ويألَفُه الناسُ ولا يكرم العبد نفسه بمثل حُسن الخُلق، ولا يُهينها بمثل سوئِه وايضا حُسن الخُلق سبب في رفع الدرجاتِ وعلو الهمم وحُسن الخلق سبب في حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرب منه يوم القيامة وحُسن الخلق يدل على سماحة النفس وكَرَمِ الطَّبع وحسن الخلق يحوِّل العدوَّ إلى صديق وحُسن الخلق سبب لعفو الله، وجالبٌ لغفرانه ويمحو الله بحُسن الخُلق السيئات ويُدرِكُ المرءُ بحُسن خُلقه درجةَ الصائم القائم وايضا حُسن الخُلق من أكثرِ ما يُدخِلُ الناسَ الجنَّةَ ويجعل صاحبَه ممن ثقلت موازينه يوم القيامة ويحرِّمُ جسدَ صاحبه على الناروحُسن الخلق يُصلِحُ ما بين الإنسان وبين الناس وبالخلق الحسَن يكثر المُصافُون، ويقِلُّ المعادون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى