Uncategorizedمقالات

البدو وظلم الأشقاء!

بقلم: محمد كامل العيادي

ما المقصود من تهميش دور بدو مصر ودورهم الفعال في كل المجالات؟ لماذا يتجاهل البعض ما قام به البدو في انتصار أكتوبر وما قدموه للمخابرات المصرية؟ هل ما يجري تجاه بدو مصر عقاب لما قاموا به أم تشكيك فيما يُقدم سلفاً؟ هل تعترفون بأن بدو مصر وطنيون حتى النخاع أم عملاء غير مرغوب بهم؟ هل هناك نية في إبقاء حكم الشمولية على بدو سيناء أنهم تجار سلاح ومخدرات وقطاع طرق؟ إلى متى يبقى البدوي مضطهداً ومنبوذاً في وطنه ومجتمعه؟ متى يُنصف بدو مصر؟
يمتلئ سجل البطولات بأبطال، فمنهم من ذُكر وخُلدت ذكراه في ذاكرة التاريخ تُنير صفحاته ذكرهم، ويكون شاهداً على بطولاتهم وتضحياتهم، وهناك من هؤلاء الأبطال من لا يذكرهم أحد ولاكتهم الذاكرة ليصبحوا طي النسيان، ولا نعلم هذا بقصد أم من دون قصد، ليُدفن مجد هؤلاء وبطولاتهم معهم في قبورهم، تشهد لهم كل ذرة من تراب سيناء بما قدم كل منهم من أجل هذا الوطن ورفعته، وقدموا دماءهم الزكية دون أي مقابل فداءً وقرباناً لوطنهم، ليفتخر الثرى بأنه منه ارتوى، وينصفهم يوم أن خذلهم البعض، يكفي ذكر التراب ما دام العقول تجاهلت، لكن يشهد العدو قبل الحبيب دور البدو عقب نكسة 1967م، حتى نصر أكتوبر 1973م، وحتى الآن والبدو يقدمون أعمارهم من أجل مصر.
رغم العزلة التي فُرضت على البدو لكنهم لم يستسلموا عندما احتاجهم الوطن، ولا ينتظر النداء ولكنه بادر وأسرع في تقديم روحه من أجله غير منتظر تكليفا أو توجيها، وقدم منهم الكثير للوطن ويشهد على ذلك أفراد المخابرات الحربية الذين تعاملوا معهم وقاموا بتدريبهم عقب نكسة 67، وقال في حقهم اللواء “فؤاد نصار” مدير المخابرات المصرية أمام الرئيس المصري أنور السادات: “سيدي لم تكن لدينا أقمار صناعية، ولكن كانت لدينا هذه العيون الثاقبة والصادقة من أبناء سيناء، لقد جعلوا المواقع الإسرائيلية كتاباً مفتوحاً أمام القوات المسلحة، فلولا أبناء سيناء ما كانت حرب أكتوبر”.
أثناء حرب 1967م، وهجوم العدو واحتلالهم سيناء قام بدو سيناء وشيوخ القبائل بإيواء بعض الجنود الذين ضلوا الطريق ونقلهم إلى الإسماعيلية والسويس “البر الثاني” من القناة بعد أن ذاقوا كل المتاعب بتنقلهم من مكان إلى مكان ومن وادٍ إلى وادٍ، ومن جبل إلى جبل حتى استطاعوا توصيلهم إلى بر الأمان، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بعمليات فدائية ضد العدو وقاموا بتقديم معلومات عن جيش العدو، وضرب المواقع المتأخرة من العدو، سطر التاريخ بأحرف من نور كيف كان دور البدو في سيناء مؤثراً بتعاونهم مع الجيش المصري في انتصار أكتوبر، بدورنا ننقله على أمل أن تزول ظلمة عقول البعض ويفهمون من هم البدو وما هو تاريخهم، ويعلمون ما قدمه البدو الأبطال وستظل بطولاتهم يشهد بها العدو والعالم كله يتحاكى بها الأجيال جيلاً بعد جيل، وسنذكر القليل من كثير، وليعلم الجميع أن ذكر بطولات البدو لا يزيدهم فخراً، فهم لا ينقصهم فخر حتى نزيدهم بذكرنا هذا، ولكن نذكرهم كي تُعطر ألسنتنا بذكرهم وننير دروبنا بأحرف أسمائهم.
نبدأ هؤلاء الأبطال بامرأة سيناوية دافعت عن وطنها بشراسة ودهاء شهد به الجميع، وهي “فهيمة” أول سيدة بدوية تعمل في منظمة سيناء العربية، وأول امرأة مصرية تحمل جهاز اللاسلكي متنقلة خلف خطوط العدو، لا يعرف الخوف لها طريق، مهمتها نقل التموين للأبطال بالجمال خلف الخطوط، وتمكنت بمساعدة زوجها من إخفاء أحد الفدائيين لمدة طويلة، بأن حفرت له حفرة وضعته فيها، وقامت بإلقاء أكوام الحطب عليه، وكانت تقدم له الطعام والشراب بصفة مستمرة، وكانت سعيدة لأنها تقدم العون لمصر والمعلومات التي تدعم القوات المسلحة المصرية، وهي أول سيدة يتم تكريمها من قبل الدولة هي وزوجها، وتم منحها نوط الشجاعة من الطبقة الأولى.
و”محمد محمود اليماني” من أبناء سيناء، عمل ضابطاً للمخابرات، وقام بالعديد من المأموريات لجمع المعلومات عن العدو بعد نكسة 1967.. كما قاد مجموعات من الفدائيين من أبناء منظمة سيناء الذين حيروا المخابرات الإسرائيلية وكبدوا العدو خسائر جسيمة في المعدات والأفراد، وهو نفسه رئيس المدينة في الحكم المحلي الذي ساهم في تعمير سيناء بعد تحريرها، وأيضاً رئيس المجلس المحلي لشمال سيناء ثم رئيس مجلس إدارة جمعية مجاهدي سيناء التي ترعي كل المجاهدين الذين ضحوا بالغالي والرخيص في سبيل تحرير تراب بلادهم ولم ينالوا من الدولة سوي بعض الأنواط والنياشين.
ومن هؤلاء الأبطال أيضاً “حسن خلف” وهو شاب من منطقة الجورة، وكان يُلقب بالنمر الأسود، وقد شهدت منطقته كثيراً من القتل من قِبل العدو لأهله وأهل رفح والشيخ زويد، وكان العدو يقتل كل من يقابله لا يفرق بين شيبة وشاب ولا كهل ولا امرأة ورجل، وعندما رأى أبوه ذلك قام بتهريبه إلى بورسعيد خوفاً عليه من القتل، ولكنه بعدما وصل انضم لأفراد منظمة سيناء العربية التي شكلتها المخابرات الحربية، ثم قام بأول مهمة في سيناء خلف الخطوط لتصوير مواقع العدو شمال سيناء في بئر العبد ورمانة والعريش، وفي عملية قام بضرب قيادة قوات العدو في العريش التي تضم عناصر المخابرات ومبيتاً لطياري الهليكوبتر.
وكذلك هناك شاب آخر وهو “موسى رويشد” أُطلق عليه مهندس الألغام، وكان متخصصاً في زرع الألغام في طريق مدرعات وعربات قوات العدو في سيناء، وكان يخفيها بطريقة بارعة يصعب على العدو الوصول لها، مما جعله مستهدفاً من العدو ولكن لم يستطيعوا الوصول إليه.
ومن هؤلاء الأبطال أيضاً الشيخ “سمحان مطير” جنوب سيناء، وكان ذا خبرة ودراية بسيناء كان الشيخ “سمحان” موجوداً في سيناء عند اجتيازها بواسطة القوات الإسرائيلية وقام بتقديم المساعدات لأفراد القوات المسلحة الذين انسحبوا من سيناء وآواهم في أماكن آمنة، ثم تمكن من الوصول إلى البر الغربي، حيث وصل إلى سفاجا على متن سفينة صغيرة، وقدم نفسه إلى المخابرات الحربية المصرية وبدأ يتعاون معها في إرسال رسائل إلى قبائل الجنوب عبر إذاعة صوت العرب لحثهم على الصمود والنصر.
ومن أبرز الأبطال أيضاً الشيخ “متعب هجرس” شيخ قبيلة البياضين الذي انضم لمنظمة سيناء العربية، ويُعد أول شيخ ينضم للمنظمة، وأول من فتح بيته لاستقبال الآلاف من الجنود المصريين المنسحبين من سيناء عام 1967، وأول من قام بنفسه ورجاله بتوصيلهم إلى البر الغربي، وتم القبض عليه هو ومجموعة من رجاله بواسطة القوات الإسرائيلية عام 1968 ووضع بالسجون الإسرائيلية، ويعد أول شهيد يتم دفنه في سيناء بعد عودة جزء منها عام 1977.
الشيخ “عيد أبو جرير” الذي أمر أحبابه بجمع أسلحة الجنود المصريين الذين تركوها بعد انسحاب 1967م، وقام بإخفائها بعد جمعها في أماكن سرية، ثم تم تسليمها إلى القوات المصرية، وقام بزيارته تقديراً لجهوده وزير الدفاع الأسبق “محمد صادق”.
كذلك من هذه السلسلة المضيئة الملقب بهدهد بئر العبد؛ المجاهد “شلاش عرابي” الذي رصد مكافأة كبيرة لمن يرشد عنه أو يساعد في القبض عليه حيًّا أو ميتًا، نُشرت قصته في كتاب “المخابرات السرية العربية” للكاتب الإسرائيلي “ياكوف كاروز”، وهو الفدائي الذي قال عنه المدعي العام العسكري الإسرائيلي “عوزي زاك” إنه وشبكته من أخطر شبكات الجاسوسية التي كشفت عنها إسرائيل حتى الآن، وذلك أثناء محاكمته أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي حكمت عليه في التهم الأربع التي وجهت إليه بالسجن لمدة 93 عاماً، وقد قبضت عليه المخابرات الإسرائيلية في آخر عملية قام بها “شلاش” خلف خطوط العدو في ديسمبر عام 1968م، وهي العملية رقم “46”، بعد مقاومة عنيفة منه وتبادل لإطلاق النار نتج عنه إصابته في الفك وقطع في اللسان، وقام العدو بتعذيبه بقسوة وهو جريح، فلم يزده ذلك إلا حماساً وقوة.
وهناك أيضاً المجاهد “عودة موسى مطير” الذي قام بزرع ألغام في جبل تنكة وأبو زنيمة برفقة “سليمان سليم، و”جديع عيد”، و”حسين مبارك سعيد” من قبيلة الصوالحة بجنوب سيناء، وقبض على “عودة” لأول مرة عام 1968، وتم التحقيق معه في سجن صرفند ثم نقل إلى سجن الرملة بتهمة التعامل مع المخابرات المصرية بعد انفجار الألغام ولكن دون محاكمة، حيث لم يثبت عليه شيء وأفرج عنه بعد عدة أشهر.. وقبض عليه مرة أخرى عام 1972 مع زميليه “سليمان سليم” و”جديع عيد” وتم التحقيق معهم بتهمة إيواء بعض الجنود المصريين والرائد “إبراهيم زياد” من القوات المسلحة، ولكنه لم يعترف، في الوقت الذي قام شقيقه “عبدالله موسي مطير” بنقل الرائد “إبراهيم” ومن معه إلى جبل البتة عند شخص من ” قبيلة الحويطات”، وقد أفرج عن “سليمان” و”عودة” ولم يفرج عن “جديع”، وبعد الإفراج عنه شُرد في الجبال إلى أن تمكن من الحضور إلى وادي النيل عام 1974، واستقبله وزير الدفاع، وتم منحه نوط الامتياز من الدرجة الأولى.
والشيخ “سالم سلامة أبو عكفة” الذي كان من أبرز المجاهدين ضد الاحتلال الإسرائيلي في سيناء، وكان دليل أفراد القوات الخاصة التي فجرت سفن العدو في إيلات وعمليات أخرى كثيرة أبرزها عملية الطريق إلى إيلات، كان محافظاً على أسرار العمليات العسكرية التي شارك فيها، ورفض إجراء أي مقابلات إعلامية للحديث عن بطولاته، وقال: فعلت ذلك من أجل الله ثم الوطن.
وكذلك الفدائي “عودة صباح الويمي” من أفراد قبيلة الترابين، الذي أبلغ المخابرات الحربية عام 1972 بأن القوات الإسرائيلية في سيناء تقوم بالتدريب على عبور مانع مائي عند منطقة سد الروافع بوسط سيناء، وكان هذا الخبر من الأخبار المهمة جداً والغريبة، وقد قام “الويمي” بإرسال بعض الصور الفوتوغرافية إلى المخابرات الحربية المصرية التي التقطها لمعدات العبور الإسرائيلية، وفي أكتوبر عام 1973 وبعد عبور قواتنا المسلحة قناة السويس وقبل حدوث ثغرة “الدفرسوار” أبلغ “الويمي” المخابرات الحربية بأن معدات العبور السابق الإشارة إليها تخرج من المخازن وتتجه نحو قناة السويس، وكان ذلك أول بلاغ صحيح عن احتمال عبور العدو لقناة السويس في الدفرسوار.
ولا ننسى المجاهد “عمران سالم عمران” الذي لُقب بـ”ديب سيناء”، ونفذ الكثير والعديد من العمليات الكبيرة مع أعوانه المجاهدين من أبناء سيناء، وقاموا بتدمير دفاعات العدو في “رمانة”، “بالوظة” ومطار العريش وقطعوا جميع خطوط الإمداد، وقاموا بنسف مستعمرة “نحال سيناء” التي كانت مقر قوات الهليكوبتر التي أغارت على جزيرة “شدوان”، وبالتنسيق مع المخابرات نقل الصواريخ بواسطة الجمال وسيارة نصف نقل قرب المستعمرة، بمعاونة شيخ بدوي من المنطقة، وتم إطلاق ٢٤ صاروخًا على المستعمرة أدت إلى قتل ٢١ ضابطاً وجندياً إسرائيلياً، وتدمير ١١ طائرة، علاوة على تدمير مستعمرة الشيخ زويد بصواريخ الكاتيوشا، وتدمير محطة رادار، وبلغت عملياته الجهادية قرابة ١٥٠ عملية، ومع ذلك لا حس ولا خبر ولا تكريم، وكأنه لم يقدم شيئاً لمصر.
ما ذُكِر قليل من كثير من أبطال سيناء، ولو وسع المقال لكتبت أكثر، وفي الحقيقة كل القبائل قدموا كل شيء لمصر، ولا يريدون شيئاً سوى الإنصاف وعدم النظر إليهم بما ليس فيهم، فلا أحد قدم مثلما قدموا، فقدوا الشباب من أجل مصر، هجروا ولم يستسلموا بل وقفوا بكل ما أتاهم الله -عز وجل- من قوة ضد العدو الإسرائيلي.
وأختم بمقولة الشيخ “حسن عتيق”، أحد أبناء قبيلة الرميلات بسيناء: “إن كل ما فعله أبناء سيناء من أجل مصر ومن أجل كل نقطة تراب في أرض مصر الحبيبة”، موضحًا أن كل ما قمنا به هو دورنا تجاه وطننا”. والآن ليت من لا يعلم، يعلم الدور الذي قام به البدو في استرداد الكرامة المصرية مع جنود الجيش المصري.. نذكر ذلك لكي يعي الجميع أن البدو أبطال وليسوا تجار مخدرات ولا قطاع طرق، ولم تؤثر في سمعتهم وبطولاتهم قلة خارجين عن القانون من مروجي المخدرات، وإن كانوا محسوبين عليهم، لا يُعقل أن تؤثر القلة في أكثرية تاريخهم مشرف وناصع البياض.
[email protected]

الرابط:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق