مقالات

الدكتور ياسر جعفر يكتب: رحمة التشريع الإنسانية

تقضي الشرائع السماوية علي أن الدين هو الدولة، أو بمعني أصح هو قانون الدولة، أو دستور الحكم فيها، هكذا يجب أن يكون ذلك لأن الأديان إنما تخدم في حقيقتها ومعانيها عالمين، وتربط بعضها ببعض برباط وثيق، فلا إنفصام لأحدهما عن الأخر فما قبل الموت عالم وما بعده عالم أخر، وهما حياة ديناً وحياة أخري والفناء بينهما أداة للبقاء أو رمز للأنتقال من حال إلي حال فسبحان مغير الأحوال، ذلك ما تقرره الأديان التي أحكمت الربط بين ماضي الانسان وحاضره ومستقبله فجعلت من ذلك وحدة متشابكة مترابطة تتأثر الأخري بما يعتور الأولي من خلل أو انحلال أو ضعف ومعني هذا أن هذه الأديان الإلهية العظيمة كانت تقضي أو تأمر أن يكون الحكم في هذه الحياة لها أو بها لأن النتائج ما بعد الموت مترتبة علي ما قبله فمن يذنب في الدنيا يعاقب في الآخرة ومن يصلح في هذه، يصلح في تلك، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره تلك هي حقائق الأديان وحكمتها ومراميها وهي بهذا تجعل من نفسها أو جعل منها الله صانعها وخالقها حكماً ودستوراً فإذا نظرنا بهذا المنظار إلي الدساتير الوضعية التي أنشأتها بعض الدول التي ينتسب إلي ديانة ما وجدناها تخالف هذه القاعدة أو تختلف عنها اختلافاً واضحاً، فانجلترا مثلاً أو فرنسا أو هولندا تنتسب إلي المسيحية كدين رسمي للدولة ولكن قوانينها ودساتير الحكم فيها ليست مستمدة من الانجيل ولا هي قائمة عليه، وكذلك الشأن الرسمي في بعض البلاد الإسلامية فبينما ينص دستورها علي أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام تجدان قوانينها مستمدة من بعض القوانين الفرنسية أو الأمريكية أو غيرها، أما الإسلام فكما قيل عنه أنه دين الدولة فقط، وليس هو دستورها المحكوم بمقتضاه وعلي أساسه وما معني هذا إذا ؟ أن الأديان وجدت لتكون عملاً يؤدي وشرعة تتبع لا لتكون رمزاً فقط فإذا قيل أن دين الدولة شئ ودستورها شئ آخر فإن هذا تهريج لا معني له ذلك لأن الأديان ربطت بين حياتي الناس دنياهم وآخراهم، فالنعيم أو الشقاء في الآخرة مترتب علي الصلاح أو الفساد في الأولي أما هذه القوانين الوضعية فقد وجدت لتعالج حال الدنيا فقط، أما الآخرة فإنها بمعزل والأديان من صنع الخالق وتدبيره، أما القوانين فمن وضع المخلوق وتفكيره ومتي كان عمل الخالق يتساوي في الحكم والصفة مع عمل المخلوق؟ ولو كان الإنسان يستطيع أن يهتدي بفكره ويسعد بعمله لما انزل الله كتبه المقدسة وأرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل، والناس متدينون بالفطرة هكذا خلقهم الله وانشأهم فإذا أرادت الحكومات أو الأفراد تحويلهم عما طبعوا عليه فإن ذلك تباعد بين المرء وقلبه وتفريقاً بين الجسم والنفس فتري الجسم منساقاً مع تيار وضعي مادي بينما النفس منقادة الي تيار طبيعي روحي وهذا ما جعل الحياة في حالتها الحاضرة جحيماً لا يطاق ومسرحاً للشقاء والفوضى والأفكار المتناقضة، والمبادئ الهدامة ولن يستعيد العالم سعادته ويستشعر الراحة واللذة حتي يسود إلي الدين، الدين الذي جعله الله قانوناً للحياة وتقريراً لما بعدها من حياة اخري، لا الدين الذي وضعه الإنسان لنفسه واستمد تعاليمه من شرور طبيعته واندفاع أفكاره وتناقضها والا فلماذا هذا التفريق بين الطبقات والتميز بين الأجناس والتناحر بين الحكومات وقد خلق الله الناس جميعاً من طينة واحدة وسوي بينهم في الشكل والوضع والتناسل والنشوء، فلا ميزة بين شخص وآخر الا بعمل الخير في جميع نواحي الحياة ولا فضل لعربي علي اعجمي الا بالتقوي، ولقد كان من أثر الاستعمار الغربي لبعض البلاد الإسلامية أن فرق بينهما وبين الاسلام كدين رسمي للدولة، ولا تتمشي علي تعاليمه أو تهتدي بهداه فلا القاتل يقتل، ولا السارق تقطع يده، ولا الزكاة مدفوعة ولا الخمر ممنوعة، ولا البغاء محرم، ولئن كان لتلك البلاد بعض العذر يوم أن كان الإستعمار الأجنبي جائماً علي صدرها، متغلغلاً بسمومه بين شرايينها، فما هو عذرها الان بعد أن أخذ شبح الاستعمار يتزايل وظله يتقلص إلي غير رجعة إن شاء الله تعالي وربما يحتاج الإنسان إلي الأحكام الوضعية كما في قوله تعالي{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} وقوله تعالي{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} فهذه الآية تدل علي كتابة الدين سواء عن طريق وصل أمانة أو شيك وهذا متصل بالقانون الوضعي، وربما يوصل الأمر إلي المحاكم في حالة إذا المدين لم يدفع للدائن فيأخذ الدائن طريق القضاء لاسترجاع حقه.
وإلي هنا أكتفي بهذا القدر.

الرابط:
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق