مقالات

«الرسائل».. الأخيرة

بقلم: علاء عبد الحسيب

كثيرا ما كنت أوجه سهام اللوم والعتاب إلى «المنتحر» عقب كل واقعة.. وأحيانا كثيرة كنت أنظر إليه بنظرات التوبيخ.. كنت اسأل دائما نفسي لماذا يقدم «المنتحر» على هذه الخطوة البشعة مهما كان حجم المشكلات التي يعاني منها .. مهما كانت ضغوط الحياة التي يمر بها.. كنت أوجه له اتهامات بالجملة، تارة ربما بالكفر كما أفتي بعض رجال الدين.. وتارة أخرى بالفشل في مواجهة متاعب الحياة أو انسحابه المبكر من أمام مشقاتها.

دائما ما كان يدور في ذهني للوهلة الأولى في كل حادث أن الظرف الاقتصادي الصعب الذي يمر به «المنتحر» هو من أجبره على قتل نفسه.. كنت أعتقد أن إقدام الشاب أو الفتاة على هذه الخطوة هو هروبا “ممزوجا بالضعف” من مشكلات الأسرة والضغوط الاجتماعية التي تحيط بالمنتحر .. كنت أراها بمثابة فشل في استكمال الحياة بما تحويه من متاعب ومشقات، التي كلنا بالطبع نواجهها ونعاني منها.

لقد اكتشفت أنني كنت قاسي جدا في الحكم على هؤلاء .. أشعر بتأنيب الضمير كلما استرجعت بذاكرتي ما كنت أظنه في حقهم.. اعترف بالتسرع في الاتهامات التي كنت أوجهها لتلك الفتاة التي ألقت بنفسها أمام المترو.. أو الشاب الذي ألقى بنفسه تحت عجلات القطار.. أشعر بقسوة القلب عندما شاهدت مقطع الفيديو المنتشر على صفحات السوشيال ميديا لحظة إلقاء «طالب الهندسة» بنفسه من أعلى برج القاهرة.. والذي حرك قلوب الملايين.

اكتشفت أن أزمة الفتاة المنتحرة لم تكن بسبب انفصال “فتى أحلامها” فمهما بلغ العشق ذروته لا يستحق الأمر أن يتخلص الأنسان من نفسه.. اكتشفت أن أزمة الشاب المنتحر لم تكن في ظرف اقتصادي صعب يمر به، أو بسبب فشله في الحصول على فرصة عمل، فلم يخلق الله إنسانا إلا وكتبه له رزقه كما قال في كتابه العزيز ، «وفي السماء رزقكم وما توعدون».. لقد اكتشفت أن الأزمة مرضية..

كنت في إحدى اللقاءات الصحفية مع أسرة فتاة ألقت بنفسها من الطابق الرابع بمنطقة “بولاق الدكرور” بالجيزة.. سألت والدها وقتها عن تفاصيل ما كان يحدث في الأيام الأخيرة في حياتها، فأبلغني أنها كانت تحب الجلوس بمفردها دائما.. كانت دائمة البكاء بسبب وبدون.. كانت سريعة الغضب، دائمة التعصب علي أشقائها وشقيقاتها.. كانت شديدة التنمر على قريناتها من الفتيات من أبناء جيلها..

سألته: هل كانت تعاني من ظروف مرضية؟ .. أكد لي أنه سبق وأن قام بعرضها على طبيب نفسي في منطقة «باب اللوق» بوسط القاهرة، وقد نصحه بعدم تركها الجلوس بمفردها.. أو إثارة غضبها بل محاولة إرضاءها في كل الأحوال وإشراكها في كل قرارات وسلوكيات الأسرة.. لكن مشاغل أفراد الأسرة وإنهماكهم في مناحي الحياة منعتهم من إتمام ذلك بالشكل المطلوب.. حتى ألقت بنفسها من شرفة الشقة في غفلة من الوقت .

استشعرت وأنا أتحدث مع والد الفتاة بالندم يملأ عينيه.. رأيت بحر من الدموع يختبأ خلف جفنيه، إحساسا بخيبة الأمل في إنقاذ نجلته «العروس» من الهلاك والغرق في مستنقع الوحدة والكبت واليأس الذي أنهى حياتها.. قرأت كلاما كثيرا جدا يدور في ذهنه يجيب على سؤال واحد «ماذا لو كانت أبنتي علي قيد الحياة؟» .. لجلس معها طوال الوقت وفي كل مكان.. وما ترك طبيا نفسيا في كل شبر إلا وطرق باب عيادته أملا في علاجها.. عينيه كانتا تفضح إحساسه بقدرته على إزالة الجبال وتحطيم تلال الثلج إن وقفت حائلا أمام سعادتها.

دموع الأب كشفت عن أزمات كثيرة جدا تدور من حولنا وهي بمثابة «الرسائل الأخيرة» التي يجب الإنتباه لها.. أصبح الكثير منا بعيدا عن أقرب الناس إليه.. أصبحنا لا نجيد التواصل فيما بيننا.. تركنا أنفسنا أسرى لمواقع السوشيال ميديا ولإغراءاتها دون عقل أو حكمة.. فشلنا في الانتصار على شرور أنفسنا..

هجرنا طريق جبر الخواطر واحترفنا فنون الخلافات والمعارك.. أصبح الكثير منا أعداء على أنفسهم وأبنائهم وأقرب الناس إليهم.. لا نسمع لمشكلاتهم ولا نهتم بما يؤرقهم ويشتت تفكيرهم.. انشغلنا في تفاهات الأمور وانغمسنا في أشياء لا تستحق.. وأصبح ما يشغل تفكيرنا هو «الرسائل الأخيرة» للمنتحرين استعدادا لمصمصة الشفاة.

الرابط:
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق