عماد نصير يكتب: الرياضة بين التهذيب والتهزيء 

                   الرياضة بين التهذيب والتهزيء

2
                   الرياضة بين التهذيب والتهزيء 
مما يقال على لسان العرب في الفصحى هزأ بفلان، أي سخر به أو منه واستهان به، ومنها أيضاً، لا تهزَأْ بغيرك، والمُسْتَهْزِئٌ بِالنَّاسِ : مَنْ يَسْخَرُ مِنْهُمْ وَيَسْتَخِفُّ بِهِمْ ويقلل من شأنهم إهانة لهم، ومنها جاءت تهزيئ كما بالعامية.
لا يكاد يختلف اثنان من الناس، من محبي كرة القدم أو حتى من مبغضيها، على أنها باتت الرياضة الأكثر شعبية وحضوراً واهتماماً على مستوى العالم، سواء على مستوى الحكومات أو الأفراد، حتى أصبحت تستحوذ على عقول وتفكير الكثيرين، بل وتحتل المرتبة الأولى وقمة هرم قوائم الاهتمام والمتابعة، سواء لفرق محلية أو دولية كالأهلي والزمالك محلياً، وليفربول وريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس دولياً، فبات الأمر شغفاً وخرج عن مجرد الاهتمام الرياضي.
ومما يؤسف له أن نشاهد هذه الرياضة وقد مالت وحادت عن أهدافها السامية، كرياضة تهذب النفوس، وأخذت منحىً آخر قد يمثل قاطرة هدم للقيم المجتمعية، وللتحول من التهذيب وخلق القدوة والشعور بالانتماء، لنوع من (التهزيء) والتقريع والتنمر والسب والطعن حتى في الأعراض والتشكيك حتى في الانتماء والوطنية والعقيدة، فقط إذا اختلف الرأي وتضاربت الرؤى وتعارض الانتماء الكروي للفريق أو جنسية المدرب المطلوب!!.
بين عشية وضحاها تحول جمهور كرة القدم من التصفيق للخصم والإشادة به، وجعل المباريات فرصة للتجمع والنقاش المؤدب الهادف والودي والمرح، إلى فرصة للخروج عن النص في كل شيء، فهي مناسبة لارتفاع الأصوات بالسب والقذف والألفاظ الخادشة للحياء، والكثير مما يطول ذكره ولا يخفى على أحد، ولا أدل على ذلك من إجابة مطلوبة من كل منا على سؤال واحد، هل بمقدور أحدنا أن يأخذ زوجته وبناته أو أطفاله الصغار ويجلس بهم في تجمع عام لحضور مباراة كرة قدم وهو آمن على مسامعهم من التلوث؟ .. الإجابة بكل تأكيد لا وألف لا، ومع أول فرصة ضائعة أو تبديل ليس على عكس المتوقع، ستجد سيل عرم من البذاءة والفظاظة وقلة الذوق والأدب تسود المكان.
فجأة يتحول الجميع إلى ميسي ورونالدينيو ومو صلاح، ويورجن كلوب وبيب جوارديولا وزيدان، ( مضروبين في خلاط ) ولكن بأخلاق اللمبي وفهلوة ابراهيم الابيض ومفردات فيلم الكيف، الكل يحكم ويدرب ويلعب، ولا أحد منهم درب لسانه أو حكم مفرداته وألفاظه ولا لعب دور العاقل وحافظ على نقاء لسانه لمدة ساعة ونصف فقط، هي عمر المباراة !!، ويخرج الأمر من مجرد التعصب للنادي، إلى فقدان الآدمية ونكران الذوق ونسيان الآداب العامة والقيم المجتمعية، وهذا الكلام عن الأغلبية في رأيي وليس تعميماً على الجميع.
الرياضة غير الملوثة بالسلبيات التي طرحنا بعضاً منها، قادرة على تغيير السلوك الفردي والجمعي، وليس ببعيد عن أذهاننا الكثير والكثير من الرياضيين الذين اختارتهم شعوبهم، ليسيروا خلفهم وليكونوا قدوة ومثالاً يحتذى به، ليس في المعتركات الرياضية فقط، بل خارج المستطيلات الخضراء والصالات المغطاة، بل يمثلون شعوبهم في الساحات الدولية، فمن منا لا يذكر ديديه دروجبا لاعب ساحل العاج وقد دخل على خط الصلح بين المتصارعين في حروب بلاده، وخطبته القصيرة التي وجهها لأمراء الحرب في بلاده قائلاً فيها (يجب ألا ينحدر بلدنا الغني إلى الحرب، أرجوكم، ألقوا أسلحتكم وأجروا الانتخابات)، وكانت شرارة ونواة لتوقف الحرب فعلاً.
وهاهو عمران خان الرياضي الباكستاني الذي أوصله تفوقه في رياضة الكريكيت و شعبيته الجارفة، إلى كرسي رئاسة وزراء باكستان، ومن منا نسي الممثل الهوليوودي أرنولد شوارزينيجر، الذي بنت له رياضة كمال الأجسام شهرة جعلت منه ممثلاً، وعلى إثرها تم انتخابه حاكمًا لولاية كاليفورنيا لمدة ثماني سنوات، ولن يغفل التاريخ جورج وايا الذي أوصله شغف الجماهير الرياضية به إلى رئاسة ليبيريا ويصبح ممثلاً لها في المحافل الدولية، وهناك العشرات من الأمثلة والنماذج خارجياً، أما داخلياً فلدينا أيضاً نخب ممن صنعت الرياضة الخلوقة لهم اسماً، فأصبحوا كما كانوا نجوماً فيها، نجوماً أيضاً في حقل السياسة مثل محمد صلاح فخر العرب وأيقونة النجاح، ورانيا علواني، وسمير زاهر، وطاهر أبو زيد، وغيرهم..
الشاهد عزيزي القارئ أن الرياضة من شأنها أن تصنع الفوارق في سلوكيات مختلف المجتمعات، ما إن تم تقديمها وتلقيها وتصديرها بشكل يخلو من أي سلبيات تصنع انتكاسات أخلاقية في الشارع الرياضي وبالتبعية في الشارع العام، وذلك بحكم أن جمهور الرياضة جزء من المكون الشعبي العام، وما تزرعه في أبنائك لسنوات من سلوك وقيم، بإمكان لاعب غر أمرد بالكاد يحمل بطاقة رقم قومي أن يمحيه بتصرف غبي أو لفظ خارج على الهواء مباشرة، وعلى ملعبك وبين جمهورك المنزلي، وبالمثل فهناك من المحسوبين على مشجعي فريق ما أن يهدموا أمجاداً صنعتها فرقهم، فالفرق ما هي إلا جماهير ولاعبين.
إلى أن نستقيظ في يوم على قوانين رادعة لحماية الذوق العام، وقوانين تحكم الشارع الرياضي سلوكياً، فتحمي الجمهور من تطاول اللاعبين، واللاعبين من تطاول الجمهور، ونحن في بيوتنا ومدرجات الملاعب من تطاولهما معاً على قيمنا قولاً وفعلاً وإشارات، ندين الانحدار السلوكي والخلقي والإنساني والقيمي، بصفتنا الإنسانية والثقافية، والذي بدر من بعض من الجماهير المحسوبة على جماهير النادي الأهلي، ضد اللاعب شيكابالا، فتخلوا عن الآداب ونسوا الدين وأهانوا إنساناً مصرياً مثل بلادهم يوماً في محافل رياضية دولية، وغاصوا في قاع الخصومة بفجور غريب على مجتمعنا بشكل نسبي، حتى وإن كان مسيئاً معهم، إلا أنهم قد أتوا بما لا جدل ولا جدال ولا سجال ولا عتاب بعده أو يصلح ما أفسدوه، بفعلتهم التي استنكرها جمهور الأهلي وأنا واحد منهم، قبل جماهير الفرق الأخرى، فالأمر هنا خرج عن طور الرياضة إلى نهج يضرب في الصميم ويهدم بناء الأسرة المصرية وما تربت عليه من عدم الانحدار لمستنقع الخصومة مع بني جلدتهم مهما كان.
ربما نستمع في صلاتنا للإمام يقول (استقيموا يرحمكم الله)، فنحسبها جملة غير صالحة للتداول خارج المسجد، إلا أنها منهج عام للاستقامة السلوكية في كل أنماط وصور الحياة .. وبالتبعية هنا الرياضة، فاستقيموا يرحمكم الله وكفاكم تشويهاً في قيم وسلوك أجيال بالكاد تعرف قليل من العيب والحرام والأصول، فلا تقضوا على بقية باقية في تنشئتها وقيمها من خلال احترام قيم البيت المصري، فالعاقبة ستكون وخيمة ولن ترضينا جميعاً إن زاد الأمر وخرج عن السيطرة.
                                                                 نلقاكم في قعدة عرب أخرى                                                                                                                                                                                   عماد نصير
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.