كتاب اليوم

الطفل الذي اراد ان يحكم العالم…


رصد وتوثيق سامي المصري

أدولف هتلر…أفعى الرايخ الثالث وفك أوروبا المفترس.
“الحلم الجرماني” المبطن بـ “نقاء الجنس الآري” كان يمثل عنصر الطفح و الطغيان علي الأبعاد الداخلية من شخصية “أدولف هتلر” مؤسس الرايخ الثالث وكان الدم والعرق أهم مرتكزين محورين لرؤيته السياسية و العسكرية تفوح منهما رائحة الدراما الإغريقية كما كان طغيان الرؤية الآرية و طفح الحلم الجرمان الجرماني الحبل الغليظ الذي التف على عنق العالم خلال الإعصار الهتلري مع صعود و أفول تخم الفوهرر “العصبي العصابي المزاج” مؤسس الجستابو و مفجر جحيم الحرب العالمية الثانية كان حلمآ للفوهرر و كابوسا للعالم..
هل كانت ولادة أدولف هتلر في (برونو- أم ) القرية التي تقع على الحدود بين ألمانيا و النمسا في 20 أبريل 1889، أحد الأسباب المباشرة في ترسيب فكرة دمجهما و لو عبر شلالات الدم، في ذهنية و نفسية زعيم الرايخ الثالث ؟
و هل لعبت الجغرافيا البيولوجية – إذا جاز التعبير ــ دورا جوهريا في ( تأسيس) الأبعاد التناقضية داخل ( خريطة ) هتلر العقلية و الانفعالية ؟
إن هتلر نفسه يشير إلى جزء في الإجابة على السؤال في كتابه (كفاحي) بقوله : ” شاء القدر أن أولد في هذا المكان ليوضح لي أن واجبي الأساسي في هذه الحياة هو أن أسلك جميع الطرق لتحقق وحدة هذين البلدين الكبيرين”..
” فالنمسا الألمانية يجب أن تعود إلى الوطن الكبير و ليس ذلك بدافع الرغبة في تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية التافهة، بل لأن الدم في الشعبين واحد، و لأن الشعبين النمساوي والألماني ولدا لامبراطورية واحدة “..
إن برونو تقع تحديدا على الضفة الشمالية لنهر الدانوب بحوالي 80 كيلو مترا من فيينا، ولذا كان هتلر يحلم حلما عرقيا أن يتواصل النهران، ( دانوب النمسا) و (راين ألمانيا )…
البداية……..عندما ولد هتلر، كان أبوه الذي كان ابنا غير شرعي لفلاحة فقيرة قد بلغ سن الستين و كان موظفا ملتزما في الجمرك قبل إحالته إلى التقاعد…أما أمه فقد كانت في السابعة و الثلاثين، و بسبب هذا الفارق الزمني و التفاوت في السن بين الأب و الأم كان هتلر الابن خشنا في جداله و مصارحاته مع والده، فقد أراد أبوه أن يتعلم الدروس التقليدية ليصبح موظفا مثله و كانت إجابة “الولد الصغير أدولف” بالرفض.
وعلى الضفة الأخرى، كان عاطفيا و ميالا إلى التلطف في معاملة أمه…وفي المدرسة تفوق في الرسم و الغناء و الخطابة، و جاء في تقارير المدرسة بأنه كان كثير الصخب عالي الصوت، شديد البأس كأي زعيم هندي أحمر…وعندما كان أحد أترابه يعتدي عليه لم يكن يشكوه إلى إدارة المدرسة، إنما كان يأخذ ثأره بيده ….وفي الثالثة عشرة توفى والده فجأة و كانت وفاته مناسبة لأن تطفو على بؤرة ذاكرته.
بعض ذكريات الماضي مع أبيه حين كان يذكره بملاحظات أستاذ التاريخ للدكتور ليوبولدتوتش: “إن النمسا جزء لا يتجزأ من ألمانيا و أن زوالها كدولة مستقلة أمر ضروري للأمة الألمانية”…بما يعني تضخم و تورم “الحلم” الآري البروسي في مخيلة شخصيته القيادية و هو ما يزال بعد تلميذا..
في قرية لامباخ حيث كان وحيدا مع أمه بعد موت أبيه – حاملا خيبته الكبيرة بعد رسوبه في امتحان أكاديمية الفنون – و متطاوسا بألوان الحلم الآري البروسي الذي لم يكن يفارق صحوه ومنامه..
وفي فينا لطمته الحياة القاسية على خديه..التحق بقسم هندسة العمارة، لكن كان عليه أن يدبر قوت أمه و قوته، و مصاريف دراسته فعمل مساعدا للبنائين ثم اشتغل دهانا..
يقول هتلر عن نفسه في تلك الأيام “إذ اشتريت كتابا وقف الجوع ببابي يوما كاملا ” وإذا حضرت حفلا موسيقيا أو شاهدت مسرحية لازمني الجوع يومين وعلى مدار خمس سنوات قضاها في فينا كبرت عقدة القروي المهاجر إلى العاصمة في تلافيف دماغه و حنايا نفسه..كما أنه اصطدم بخطرين كبيرين ظل يصارعهما و يقاتلهما طوال حياته “الماركسية و اليهودية” وهكذا غادر هتلر فينا إلى ميونيخ عام 1912 المدينة التي أحبها و تعلق بها و قال عنها : “الذي يزور ألمانيا ولا يرى ميونيخ لن يعرف شيئا عن الفن الألماني”.
اكتشف هناك أن العقلية السياسية الألمانية آنذاك وقعت في خطأ شنيع هو أنها كانت تعتقد أن النمسا ما تزال قوية و متماسكة و حريصة علي العنصر الجرماني، بينما هي في حقيقة الأمر “دولة مومياء” تريد التحالف مع ألمانيا لإبادة الحلم الآري…و لا بد إذن أن تنعكس الآية، فتكون الهيمنة لألمانيا لتحتوي بقبضتها “الجرمانية” دولة النمسا المحنطة في تابوت التفسخ و التخلص.
مع مقتل الأرشيدوق فرانسوا فرديناند نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 و في أغسطس 1914 كتب هتلر رسالة إلى الملك لويس الثالث يطلب فيها قبوله بإحدى القطاعات العسكرية في بافاريا….وصل رد الملك في اليوم التالي بالموافقة على قبول هتلر متطوعا بأحد الفيالق البافارية، وهناك انتفخ الحلم الجرماني في صدره عندما رأى نهر الرايخ لأول مرة و شاهد تمثال جرمانيا في منطقة ريناتيا و أخذ ينشد مع بقية المتطوعين نشيد الرايخ و عقيرته ترتفع معهم…
لكن بعد أربعة أيام من القتال المتواصل تقهقر الفيلق الذي كان أحد أفراده لانه لم يكن يملك التدريب و الكفاءة الواجبة للقتال، وتقلص الحلم الجرماني و انكمش في صدر هتلر مخلفا رماد التطاوس ومشعلا في الوقت ذاته هاجس الإعلاء و التعالي للعنصرية الآرية…
في نوفمبر من عام 1918 اكتشف هتلر أن ألمانيا خسرت الحرب وذلك بعد أن أصيب و نقل إلى مستشفى باسفلك بميونيخ عندما أمطرت المدافع الإنجليزية فرقته جنوب نهر “ألايبرا” بقنابل الغاز ذي الصليب الأصفر..
في المستشفى ألقى أحد رجال الدين موعظة دينية، و كان صوته متقطعا متحشرجا، و قال في ثنايا كلامه أن ألمانيا خسرت الحرب و أنها بدلت النظام الملكي بالنظام الجمهوري، و أنها تحت رحمة العدو و لابد لها من الاستسلام لشروطه، و لم يتمالك هتلر نفسه فخرج من قاعة المحاضرات، متوجها إلى غرفته ليرتمي على سريره و دماء مليوني ألماني “ضحايا الحرب” تحول الحلم الجرماني إلى كابوس ..!
خرج هتلر من المستشفى، و انضم إلى أفراد فيلقه في الاستيداع بعد وضع الفيلق في عهدة “المجلس العسكري” و تردت حالته المعنوية فغادر إلى ” ثروتشتين ” و لم يعد إلى ميونيخ إلا عام 1919.
كانت الديكتاتورية السوفيتية بعد الهزيمة هي السائدة و مع الجهر بآرائه المضادة وضع اسم “هتلر” على اللائحة السوداء..
و بدأت فكرة تشكيل حزب في الاختمار، و في رأي (أدمون فرمي) فإن هتلر كان يجد نوعا من البهجة و السرور في عقد مقارنة بين الآري و اليهودي و أن الألماني يمثل العنصرية الوطنية و اليهودي يمثل العنصرية الدولية و كل منهما ضد الآخر، و هذا هو المحور الارتكازي الذي أقام عليه هتلر الحزب الوطني الاشتراكي الشهير بـ (الحزب النازي) حيث فكرة الدم أو العرق و عبارة هتلر في هذا الصدد هي (أن الرايخ الألماني يجب عليه كدولة أن يضم كل الألمان، و مهمته لا تهدف فحسب إلى الحفاظ على عناصر الشعب الأساسية إنما ترمي إلى توجيهها بأناة و ثبات نحو منزلة عليا مسيطرة و مهيمنة)…
في يقين هتلر فإن إرادة الزعيم هي إرادة الجموع ذاتها وأن العرق قضية تضامن اجتماعي، و لما كان هتلر محتقنا بفكرة الزعيم الآري و تغليب نقاء الدم الحلم الجرماني فقد قام بثورة فاشلة بعد شهر من توليه زعامة الحزب النازي عام 1921.
أصدرت محكمة ميونيخ حكما بحبسه في أول إبريل 1924 و في سجن لاندسبرج وضع كتابه الذي أسماه كفاحي.
يقول هتلر في كتابه : “إني أرى في الجنود الذين يعتمرون بالخوذ الرمادية تربة صالحة لغرس أفكاري، و سوف تتسلل هذه الأفكار الأوساط الشعبية من هؤلاء الجنود، و أنا سأفعل ما كان يفعله الماركسيون، فأتكلم إلى الجماعات الشعبية مثلهم، و هذه الطريقة سهلة حسنة لأن التجربة أثبتت حسنها و منفعتها…
خرج هتلر من السجن و أخذ ثعبان الرايخ الثالث يفح فحيحا جرمانيا ساما و بالتواريخ و الأرقام كان الفحيح الأفعواني يصعد تخمه..
في عام 1930 ساند الصناعيون الحزب النازي إلى أن صار من أقوى احزاب الرايشتاغ (البرلمان الألماني) وفي عام 1933 أصبح هتلر مستشارا وحصد كل معارضيه و تولى رئاسة الدولة خلفا للمستشار هند بورغ الطاعن في السن…وأعلن انسحاب ألمانيا من عصبة الأمم – و أصبحت ألمانيا فك أوربا المفترس فاحتلت الرور و (حشرت) نفسها في الحرب الأهلية الأسبانية.
في عام 1938 ضم الفوهرر “النمسا” إلى ألمانيا و نفث الثعبان الجرماني سمه في أوصال تشيكوسلوفاكيا حتى أوصلها إلى نقطة السقوط…
في سبتمبر 1939 اجتاحت ألمانيا بولندا، بعد أن وقع الثعبان الرايخ الثالث ميثاق عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي و انطلقت أول شرارة من شرارات الحرب العالمية الثانية…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى