أهم الأخبارمقالات

حاكم استثنائي قاد نهضة كبيرة.. العالم العربي والإسلامي يودع حكيم العرب

عبدالله تمام

لم يكن رحيل السطان قابوس مجرد حدث مؤلم ومحزن للملايين من الشعب العماني والعربي والاسلامي، وإنما كان تظاهرة عالمية وعربية، وحدثا فارقاً في مسار التاريخ لرجل استطاع أن ينهض بأمة ووطن، وفتح الأبواب امام مسيرة نهضة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة على المستوى المحلي والخليجي والعربي والعالمي.

ليكتب اسم قابوس بحروف من نور كحاكم استثنائي تولى مقاليد الحكم في ظروف صعبة وهو شاب في بدايات سن النضج والقيادة، إلا انه استطاع ان يحفز سواعد وهمم شعبه ويقوده نحو نور التقدم والعلم، في مسيرة تنموية استحقت اهتمام العالم عن جدارة.

وشاء الله أن تستمر مسيرته الاستثنائية حتى اللحظات الاخيرة من رحيله، عندما أوصى بأن يدفن في جنازة عسكرية بسيطة يحيط به ابناؤه يودعونه حتى المستقر، حيث دفن جلالته في قبر متواضع ليترك رسالة سامية الى العالم مثل وردة ستبقى نضرة على طرف قبره.

السلطان قابوس

والبساطة والتّواضع في عمليّة الدّفن والعزاء، واقتِصارها على أبناء السّلطنة، وتَجنُّب كُل ألوان المبالغة المُتّبعة في حالاتٍ عربيّة، أو أجنبيّة مُماثلة في هذه الحالات.

 

كذلك هناك تلك السلاسة والشفافية التي شهدت عملية نقل الحكم في السلطنة واجراء مراسمِ تولّي جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد خلفًا لابن عمّه الرّاحل السّلطان قابوس، مُؤسِّس السّلطنة الحديثة وقائِدها نحو الاستقرار والأمن، وبدا بوضوح للعالم اجمع كيف اديرت عمليّة انتقال السّلطة على الهواء مُباشرةً، وعبر شاشة القناة التلفزيونيّة الرسميّة، وبحُضور مجلس العائلة، ومُمثّل عن المجلس العسكري، والمُؤسّسة الدينيّة، تلبيةً لوصيّة السّلطان الرّاحل، وفتحِه الرّسائل الثّلاث التي كانت مُوجّهةً إلى مجلس العائلة عبر المجلس العسكريّ في شفافيّة، ممّا يعكس احتِرام السّلطان الراحل قابوس، وتقديره للمُؤسّستين، مُؤكِّدًا في الوقتِ نفسه على أنّهما العمودان الرئيسيّان في السّلطة إلى جانب الشّعب العُماني طبعًا مصدر كُل السّلطات، حسب النّص الرسميّ الدستوريّ.

نهضة وقائد

قدمت النهضة العُمانية منذ تولي جلالة السلطن قابوس مقاليد الحكم نموذجاً بالغ الدلالة فى إقامة التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وسبل تطوير مختلف قطاعات الإنتاج والعمل والتعليم والخدمات مع الحفاظ على القيم العُمانية الموروثة، وكان البعد القيمى والخلقى شديد الوضوح فى النهضة العُمانية التى تتلاقى مع مشروع ثقافى آخر لبناء عولمة أكثر إنسانية. كما أن الشعب العُمانى الذى عرف كيف يحمى نهضته طوال العقود الماضية فى ظروف بالغة الصعوبة داخلياً وإقليمياً ودولياً، أقام التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بات اليوم أكثر وعياً بأهمية إنجازاته السابقة، وأكثر تصميماً على استكمال مسيرة التنمية المستدامة بخصائص عُمانية.

شكلت النهضة العمانية في عهد المغفور له السلطان قابوس بن سعيد تجربة متفردة في التقدم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة و ذلك بفضل الفكر الصائب والنظرة الحكيمة والثاقبة للسلطان قابوس رحمه الله في التعاطي مع الأمور و النظر إلى المستقبل وهو ما أعطى التجربة قوة دفع ذاتية ليواصل قطار النهضة سيره صوب المستقبل.

واتخذ رحمه الله منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم بالسلطنة قرار حكيما ومدروسا، بالاهتمام بمحور التعليم وجعله الأساس الذي يتم البناء عليه، واعتبره أحد الركائز الضرورية للنهضة والتقدم والحضارة وقاطرة التنمية المستدامة للبلاد ورفع شعار “سنعلم أبناءنا حتى لو تحت ظل الشجر” وأخذ على عاتقه نشر مظلة التعليم في مختلف أرجاء السلطنة.

مدارس السلطنة

فبعد أن كان عدد المدارس قبل 49 عاما من عمر النهضة لا يتجاوز 3 مدارس، وعدد التلاميذ أقل من الألف والتعليم محصور بين التمهيدي والصف السادس الابتدائي، والتعليم مقصور علي الذكور دون الإناث أصبحت المدارس بالآلاف و تلاميذها بالملايين وهناك مساواة في التعليم بين الذكور والإناث وبات التعليم ممتدا من التمهيدي للابتدائي مرورا بالإعدادي و الثانوي وصولا إلى الجامعات والمعاهد والدراسات العليا، وتم توزيع تلك المنشآت التعليمية بجميع أرجاء السلطنة وتنوعت المدارس بين التعليم العام والتقني والإسلامي.

السلطان قابوس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويمثل التعليم العالي، وتوافر مراكز البحوث والدراسات العلمية والثقافية المعيار الأول لقياس مدى تقدم البلدان والمجتمعات، وهو عامل أساسي لرسم استراتيجيات بناء الإنسان والمكان، ومن هذا المنطلق كان التعليم العالي و لا يزال من الأبجديات التأسيسية لخطاب النهضة العمانية المعاصرة.

وشهدت الخدمات الصحية في سلطنة عمان تطورا ملحوظا طوال السنوات الماضية بعدما أمر “طيب الله ثراه” بإنشاء أعداد كبيرة من المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية في كل أرجاء عمان ومدها بكل احتياجاتها من أطباء ومعدات وأدوات وأدوية .. ليؤمن بذلك صحة العمانيين في المدن والقرى والأرياف على حد سواء.

قائد سفينة عمان

بدت السياسة العمانية في عهد السلطان قابوس مثل سفينة تشق البحر بأمواجه المتلاطمة والرياح تعصف من كل صوب ، حيث تشهد المنطقة والعالم الكثير من الاحداث والحروب والمشاكل الا ان تلك السفينة استطاعت ان تكمل طريقها وسط تلك الاجواء الصعبة لترسم لعمان طريقاً مختلفاً واسلوبا يعتمد على التسامح واحترام الاخر والاحتفاظ بمساحات ايجابية مع الجميع حتى صارت السلطنة سويسرا العرب التي يوافق جميع الاطراف المتصارعة او المختلفة على اللجوء اليها كي يصلوا الى اتفاق.

فعلى الصعيد الخارجي رسم السلطان قابوس “رحمه الله” الخطوط الرئيسية لسياسة خارجية متزنة مراعية لقضايا الأمتين العربية والإسلامية ومناصرة لها في كل المجالات.

فبعد عام واحد من توليه الحكم عام 1970م انضمت عمان إلى جامعة الدول العربية وفي عام 1981م انضمت إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية فيما امتازت تلك السياسة بالسعي إلى تحقيق السلام ونشر التسامح والتعايش.

وقد ابتعدت السّلطنة في عهد السّلطان الرّاحل قابوس عن جميع الحُروب في المِنطقة، وبقت على مسافةٍ واحدةٍ مع مُعظم الخُصوم، ولكنّها لم تتردّد في التّعبير عن بعض مواقفها المُعارضة، وبطريقةٍ “مُهذّبةٍ” دون أن تتطاول على الآخرين الذين يقِفُون في خندق الخِلاف، ولم تَرُد مُطلقًا على هجمات الخُصوم العرب المُشكِّكين الخارِجَة عن كُل السّياقات الدبلوماسيّة وآداب الخِلاف، وخاصّةً أثناء حرب اليمن المُستمرّة حاليًّا، ولهذا اختِيرَت دائمًا أرضيّةً للوِساطات والتّسويات لأكثر الأزَمات تَعقيدًا.

الرابط:
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق