مقالات

خبيرة المانية فى علم الجريمة تحلل دوافع عمليات الدهس، بعد حادثى الدهس فى منطقة الرور


متابعة /أيمن بحر


، إنتشرت التكهنات حول دوافع الجانى DW ، حاورت باحثة فى علم الجريمة للوقوف عما يقوله العلماء فى هذا المضمار ومدى التشابه/الإختلاف عن إرهاب “الدولة الإسلامية”؟.
فى البداية فى مدينة بوتروب، ومن ثم فى مدينة آيسن، قام رجل ألمانى، يبلغ من العمر 50 عاماً ويُدعى أندرياس ن، بدهس مجموعات من الأشخاص، غالبيتهم من الأجانب بسيارته، وأسفر هذا الحادث عن إصابة ثمانية أشخاص قبل أن تعتقله الشرطة فى ليلة رأس السنة، ويقبع أندرياس ن، حالياً فى السجن بتهمة الشروع فى القتل، وتفترض السلطات وجود دافع عنصرى وراء الحادث، وأن الرجل، الذى يتلقى مساعدات إجتماعية، يعانى من إضطرابات نفسية.
لمزيد من الإضاءة على القضية الشاغلة للرأى العام فى المانيا، حاورت DW الخبيرة فى علم الجريمة بريتا بانينبيرغ:
DW: يشغل هجوم مدينتى بوتروب وآيسن الذى يبدو أنه بدافع عنصرى السلطات والرأى العام، الكثيرون يتساءلون عن ما قد يدفع بشخص الى دهس حشد من الناس بسيارته؟.
بريتا بانينبيرغ: هذا موضوع معقد، لقد قمنا بعمل عدة أبحاث عن ما يسمى بالجرائم ذات الطابع العشوائى على مدار سنوات، هى عمليات قتل يخطط لها الأشخاص، الذين عادة ما يتصرفون بشكل فردى، والذين لا يمكن تحديد دوافعهم على الفور والذين يركزون أهدافهم فى النهاية على الضحايا الأجانب، ولهذا تحدث مثل هذه الحوادث كل هذه الضجة، لأنه نظرياً فإن أى شخص مُستهدف.
ما الذى يمكن أن يكون الدافع وراء حادث الدهس في ليلة رأس السنة؟
يتعن علينا الإنتظار، للتمكن من تقييم الدوافع والحادث ككل بشكل دقيق، البيانات الأولية تشير الى سلوك متعارف عليه فى مثل هذه الحوادث، ويختلف الجناة صغار السن عن الجناة البالغين، الذين يكون لديهم الكثير من الصفات الملفتة للانتباه.
ماهى هذه الصفات الموجودة لدى الجناة من البالغين؟

فى الواقع الجناة ليسوا أصحاء نفسياً، الأمر يتعلق بأعمال إجرامية نادرة، وجرائم قتل خطيرة للغاية، لكن طبيعة الإضطرابات النفسية تختلف من شخص لآخر، لكن لاحظنا أن أكثر من ثلث الجناة البالغين، والذين تتراوح أعمارهم بين 24 و70 يعانون من إضطراب نفسى شديد والمتمثل فى الفصام العقلى، والمستهدفون فى الغالب من الأجانب، وقد يسفر ذلك عن عدة إصابات مميتة، وعادة ما يكون هؤلاء الأشخاص مشبعين بالسخط والكراهية ويعانون من رفض المجتمع.
يبدون كراهيتهم بطريقة خاصة إزاء مجموعات معينة، سواء كانوا من الأجانب أو النساء أو زملاء العمل أو بشكل عام من أفراد المجتمع، هذا الإضطراب المتمثل فى إنفصام الشخصية هو إضطراب عقلى، يجمع بين أعراض المرض النفسى ودوافع الكراهية، ولهذا، فإن هؤلاء الأشخاص يشكلون خطراً كبيراً، فى حالة عزمهم قتل أشخاص آخرين، أو إيذائهم وبهذا هم يُرسلون إشارة إنتقام الى المجتمع، إن جاز التعبير.
هل إضطراب الشخصية هو المسبب أم العامل المساعد وراء حادثى مدينتى بوتروب وإيسن؟ وهل هناك أى طرق للكشف عن هذا الخطر فى مرحلة مبكرة أو الحيلولة دون وقوع مثل هذه الحوادث؟
نعم، بطبيعة الحال، وقد أظهرت تلك البحوث التجريبية بوضوح، وهو أمر غير ممكن مع كل حالة، ولكنه يكون كذلك مع معظم الحالات، ويجب على المرء أن يضيف: ثلث الجناة البالغين، كما ذكرنا سابقاً، هم مرضى نفسيين ويعانون من إنفصام الشخصية، وهذا مرض نفسى خطير، ولكنه يختلف عن إضطرابات الشخصية.
الأشخاص، الذين يعانون من إضطرابات الشخصية، قد يشكلون بدورهم خطراً بشكل أو بآخر، ربما يكون لديهم سيطرة أكثر على تصرفاتهم، لكنهم غالبا ما قد تسيطر عليهم فكرة الرغبة فى إرتكاب جريمة قتل خطيرة أو عدة جرائم.
ومن الممكن الكشف عن مثل هذه الإضطرابات لدى الأشخاص داخل المحيط الإجتماعى، كالجار أو زميل العمل، حينها يمكن إبلاغ الشرطة فى مرحلة مبكرة، لأنه سيكون هناك فرص جيدة للكشف عن هؤلاء الأشخاص، إذ يمكن معالجة مرضى الفصام بالأدوية، لكن فى حالة تركهم من دون علاج، فإن خطر إرتكاب أعمال عنف قد يصل الى ما لا يقل عن ثمانية أضعاف، وفى حالة كان مرضى الفصام من مدمنى الكحول أو المخدرات، فسيزداد الخطر بمقدار 14 مرة، ولكن إن أخذوا الدواء، فإن حدة هذا الخطر قد تنخفض الى المعدل الطبيعى.
هل إستخلصت السلطات دروساً ملموسة من خلال الهجمات التى يقف وراءها الجناة، الذين يعانون من إنفصام الشخصية أو أى إضطرابات أخرى فى الشخصية؟
يجب أن يولى المجتمع بأكمله الإنتباه إلى الأشخاص، الذين قد لا يعانون فقط من إضطرابات نفسية، وإنما يكشفون أيضاً عن نوايا ذات طبيعة تهديدية، أى شخص يبدى إهتماماً كبيراً بإرتكاب إعتداء أو أعمال عنف أو أعمال إرهابية، وهو مشبع بالكراهية، يمكن الكشف عنه بشهور قبيل تنفيذه ذلك، يتردد معظم الناس عن إبلاغ الشرطة، وذلك لعدم وجود أى شئ ملموس أو دليل فى أيديهم، ولكن هذه هى الطريقة الوحيدة لوقف هؤلاء الجناة قبل دخولهم مرحلة التنفيذ وتعريض حياة الناس للخطر.
الى أى مدى يتشابه هؤلاء الجناة مع الإرهابيين الفرديين، مثل إرهابيى “الدولة الإسلامية”؟.
أطروحتى حتى الآن، على الرغم من عدم البحث بشكل كافى فى هذا الإتجاه، هو أن الجناة الأفراد الإرهابيين والجناة المرتكبين للجرائم ذات الطابع العشوائى متشابهون بشكل تام، لكن بالنسبة للجناة الجماعيين من الإرهابيين، يبدو الأمر مختلفًا، لأنهم يكونون فى الغالب مجرمين معروفين لدى الشرطة من قبل، وبعضهم من متعاطى المخدرات ولديهم العديد من السوابق الجنائية، الجناة الفرديون مختلفون، سواء كان الدافع يمينياً متطرفاً أو إسلاموياً أو إذا كان أحدهما مجرماً يكره الجميع ويرفض المجتمع بأكمله، وهذا يرجع الى إضطرابات شخصية أو إضطرابات عقلية.
سيدة بانينبيرغ، هل علينا أن نتوقع وجود نوع من التقليد فى النقاش كالذى نشهده عند الحديث عن الإرهاب الإسلاموى؟
يوجد ذلك بالفعل منذ وقت طويل، منذ باريس تشرين الثانى/ نوفمبر 2015، نشهد إرتفاعاً فى مثل أعمال العنف هذه وفى جميع أنحاء العالم وكذلك فى المانيا، وتلقى صدى متفاوت، ولكن تدور دائماً النقاشات نفسها، لكنها تبقى بعيدة عن اليمين المتطرف.
هنا تكمن بالضبط المشكلة! التصنيف الى فئات، عندما أخبرك بأن هؤلاء الجناة لا يختلفون بسبب أيديولوجيتهم، لأن دافع العمل يأتى من شخصيتهم، ولكن هناك أيضا جناة يستخدمون السيارات لدهس الناس وليس لديهم دافع إيديولوجى معين، هؤلاء هم الأشخاص الذين يعانون من الإضطراب والمشبعين بكراهية الآخرين والذين يرغبون فى الحصول على شهرة سلبية من خلال هذا الفعل وهم مستعدون للموت أيضاً من أجل ذلك.
ما الدور الذى تلعبه وسائل التواصل الإجتماعى؟ هل يمكن أن يكون لها تأثير فى تعزيز وجهات النظر لدى المستخدمين من ذوى التفكير المماثل، هل تمثل الدافع وراء مثل أعمال العنف هذه أو أنها عامل مساعد على الأقل؟
نعم، عادةً ما يفتقر هؤلاء الجناة الأفراد الى التواصل فى محيطهم الإجتماعى أو أنهم لا يمتلكون أى تواصل على الإطلاق، وما يفعلونه فى هذه الحالة هو التوجه الى الإنترنت، وبالتحديد الى تلك العوالم والمنتديات التى تعزز وجهات نظرهم المبنية على كراهية ورفض مجموعات معينة أخرى، نلاحظ هذا مع الجناة من صغار السن فى بعض الأحيان بشكل كبير للغاية، لأنهم يتحركون ضمن أوساط الجناة العشوائيين، كما نراه فى “الدولة الإسلامية”، حيث يتحرك الجناة ضمن أوساط إسلاموية متشددة تغذى الكراهية فيهم.
هل من الممكن أن تكون الإضطرابات النفسية لدى الجناة الألمان، العامل المساعد الأقوى وراء جرائمهم، ولكنه ليس بتلك القوة بالنسبة لدى الجناة غير الألمان، كالإسلامويين المتشددون؟
تكهنات وسائل الإعلام شئ وما يقوله العلم شئ آخر، عندما ننظر للوراء الى حادثتى فورتسبورغ وأنسباخ فى عام 2016، كان الجناة لاجئين، وكانت هناك معلومات تفيد بأنهم لم يكونوا يتمتعون بصحة نفسية عندما إرتكبوا جرائمهم، إن التحقيق فى هذه الأعمال الإجرامية ليس بهذه السهولة، لأن مكتب المدعى العام الفيدرالى متكتم على هذه الملفات، ومع ذلك، أعتقد أننا على صواب تماماً فى تقييمنا بأن هؤلاء الأشخاص يعانون من إضطرابات نفسية، بغض النظر عن توجهاتهم الإيديولوجية.
بريتا بانينبيرغ، باحثة في علم الجريمة في جامعة غيسن الألمانية، تبحث منذ سنوات فى الجرائم ذات الطابع العشوائى. وتسعى الباحثة الألمانية الى تقديم المساعدة فى منع هذا النوع من الجرائم ودعم المؤسسات المعنية بالمعارف والخبرات العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق