مقالات

سعيد فؤاد يكتب: دماء ودموع في السويس!

دائما ما كنت أسمع أن الموت هو الأسرع للإنسان وأنه الحقيقة الوحيدة في الحياة ؛ لكن ماكنا نسمعه ونردده لايمثل ذرة من الواقع عندما تعيشه وقد رأيت بعيني رأسي ذلك مجسدا عندما أحاطتني عناية السماء وأعادتني من رحلة موت لم تستغرق الثواني الي الحياة .

تلك الثواني تجسد أحداثها فيلما سينمائيا طويلا كتب القدر ببراعة كل صفحاته فقد كانت الرحلة من القاهرة الي مدينة السلام شرم الشيخ، وكان برفقتي الصديق والزميل علاء عبد الحسيب الكاتب الصحفي بالأهرام ورفيق رحلة كفاح طويلة تفوق عمر الأيام والسنوات ومعنا الصديق دكتور سليمان النجار و قائد السيارة إسماعيل النجار ؛ الرحلة المتجهة الي شرم الشيخ تحمل الأمل والطموح ؛ صحبة طيبة ومشوار ممتع.

هناك عند رأس سدر في ثوان تتغير كل المعالم وتتبدل الأحوال ؛ سيارة تقطع الطريق علينا رغبة في اختصار وقت الدوران الي الخلف ونفاجا بها لم يجد قائد سيارتنا بدأ من محاولة تفاديه ؛ لكن ليس كل ما يتمناه المرأة يدركه فتختل عجلة القيادة من يده ليرتطم برصيف مجاور وينظرا لسرعة السيارة تعلو الرصيف وتنقلب نحو الأرض المنخفضة المجاورة الرصيف وإذا بالسيارة تتحول إلي كرة قدم تتدحرج لتنقلب عدد من المرات.

فجأة تختفي من ذاكرتي كل أمور الحياة مضحيا بأحداث مرت من المهد ثم الصبا والشباب ولم أتذكر شيئا سوي ترديد الشهادة منتظرا قدر الله المحتوم ولكن للعمر بقية فإذا بالسيارة تتوقف عن مسيرة إنقلاباتها لتستقر في مكانها ويخرج من تحت أنقاضها أصدقائي وأنا بداخلها لاتستطيع الوقوف علي قدمي حتي جاءت سيارة الإسعاف التي أجادت التعامل معي.

لم اصدق ورفاقي أننا لانزال أحياء وأن الروح لاتزال عالقة بأهداب الحياة بسرعة، توجهت سيارة الإسعاف الي مستشفي رأس سدر الذي انقلب عن بكرة أبيه قسم الشرطة لم يبقي منه احدا مابين رئيس مباحث ومأمور وضباط وأمناء الكل يلتف من حولنا الأطباء يهرولون لإجراء الإشاعات والفحوصات الأزمة والنور يمزح معنا في محاولة منه لتخفيف العبء النفسي الذي لازمنا منذ لحظة الوصول إلي المستشفي .

اطمأن قلبي علي زملائي وأصدقائي رفاق الرحلة أنهم بخير وانها إصابات لا تزيد عن حد الكدمات وإذا بالأطباء يجهزون سيارة إسعاف لتستقلني الي مستشفي السويس العام .وجدتني اصرخ فيهم متمسكا بوجود الصديق علاء عبد الحسيب معي ؛ وجدتني طفل يبحث عن شخص قادر علي احتواءه في تلك اللحظة القاسية الصديق كان يعلق المحلول في ذراعه فسمع صوت استغاثتي به ؛ لم يتردد لحظة واحدة ولم ينتظر الأطباء وخلع بيده الثانية المحلول راشقا معي في سيارة الإسعاف .مسافة طويلة من راس سدر الي السويس قضيناها بين الم شديد في قدمي ومزاح صديقي علاء الذي يحاول تخفيف الألم عني .

وهناك في مستشفي السويس مرحلة جديدة من الالم والعذاب فلا هو مستشفي ولا به إسعافات ولا أدوية ؛ كل مابه مجرد مرضي زاد الإهمال الجسيم آلامهم، حملوني الي غرفة الاستقبال ولم اتحمل يدا تلمس قدمي الموجوعة ؛ والاطباء من حولي يدخل أحد العاملين بالمستشفي ويطلب مني أن أحضر ” رباط ضاغط” وبالمناسبة لايزيد سعره عن خمسة عشر جنيها لكنه ليس موجودا في المستشفي ؛ اضطررت أن أقابل طلبه بالتهكم والسخرية التي ليست من طباعي وقلت له حالا سأقوم الي أقرب صيدلية وأحضره ؛ مادام الشخص غير قادر علي التمييز .

وماتت علم علاء بالموقف حتي انفجر في الرجل وقام بنهره ومنحه النقود ثمن الرباط – مع ثمن وقوفه معنا – وأجريت الفحوصات وفق إمكانيات المستشفي غير الموجودة ودخلت عنبرا وانا ملقي علي السرير المتنقل لاسامه الي الكوارث .شباب يلهثون وراء آدمي يتعامل معهم بعد أن خلي المستشفي من الإنسانية وينتظرون دورهم في قوائم الانتظار أنينهم وصراخهم كان أصعب علي نفسي من وقوع الحادث المروع ومن إصابتي .

أيقنت علي الفور أن الرئيس السيسي الذي يرسخ لحياة كريمة في القري المنسية يسعي باحلامه في واد والسادة المسؤولين في واد آخر، طلبنا مؤسسة الأهرام التي تشرف بالانتماء إليها الاهرام لم تظهر جهدا واسرعت بانتشالنا من مخالب الجحيم الي المركز الطبي بالمقاولون العرب ؛ هناك حيث الآدمية واحترام الذات وإعلاء مصلحة المريض علي مادونها من مصالح ليتم إنقاذي واجري جراحة عاجلة في قدمي وسط دفء أسرتي وأصدقائي الذين شغلهم ألمي فقاسموه معي .

ومن هنا وبعد المأساة التي عشت تفاصيلها في مستشفي المفترض أنه في قلب محافظة السويس أطالب بإقالة المحافظ ومحاكمته علنا بتهمة الإهمال الجسيم والإخلال بالقسم الذي أول سطوره رعاية مصالح الوطن رعاية كاملة ومعه وكيل وزارة الصحة بالسويس الذي لايقل شأنا في إهماله وتقاعسه وعدم رقابته، رغم متابعته حالتي لحظة بلحظة.

وضرورة استبدالهما بمسؤولين يعرفون جيدا كيف يحققون حلم الرئيس ويتفاعلون مع خطواته الجادة ؛ ويرعون مصالح الوطن والمواطنين فعندما يتحول مستشفي عام في قلب محافظة الي وحدة صحية مهجورة في قلب أحدي العزب أو نجع من النجوع تسكنها الغربان وتفتقد للحد الأدنى من الآدمية وعندما يطلب من مريض يصارع الموت أن يقوم من مرقده ليشتري رباط ضاغط أو شاش أو قطن هي أقل ماتوجد في الإسعافات الأولية بالمنازل نكون أمام جريمة مكتملة الأركان أبطالها المحافظ ومدير الصحة ومدير المستشفي ياسادة مصر من أعظم بلاد العالم لاتستهينوا بالمواطن المصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى