عماد نصير : في الصحافة 9 = 4 + 1

0

 

لما تبقى في قعدة عرب مع اصحابك أو زملاء مهنة أو ونس طريق، وفجأة حد يطرح حوار عن مهنة معينة، هندسة طب علوم ميكانيكا زراعة أو حتى سباكة، بغض النظر عن رأيك فيها او العاملين بها، تلاقيك بتفتي في حدود معرفتك، يا إما بكلمتين سمعتهم من حد أو فيديو فتح معاك على يويتيوب صدفة، أو انك عندك شوية اهتمام وثقفت نفسك بكم معلومة لزوم حب المعرفة، وفي حال طلع في قعدة العرب حد متخصص..تلقائياً بتسمع له وتنصت بدون جدال كتير، امتثالاً لأدب الحوار واحترام التخصص.

إلا يا مؤمن في مهنة الكلام المسماة بـ ( الصحافة )، لا تجد اثنان في شارع الصحافة الذي يسكنه آلاف مؤلفة، يتفقان على خبر أو تقرير أو تحقيق واحد، سواء اتفاق ايجابي أو سلبي حتى لو كان كاتبه (هيكل عصره)، فتجد الجميع يدلي بدلوه معرفةً أو جدالاً أو سفسطة فارغة، ويكون الحوار كالآتي: لو اهتم فلان بكذا في الخبر ولو بدأ فلان بكذا في التقرير، ولو اختتم فلان بكذا وكذا في المقال أو التحقيق، أو على أفضل الظروف يقول أحدهم وهو غير مكترث وبطريقة منخورية متعالية .. مش بطال.

هذا أمر يؤيد حدوثه السواد الأعظم  والغالبية الساحقة من أرباب القلم وأبناء الكلمة وأخوة الحرف، ومرد ذلك إلى اعتبارات كثيرة لعل أبرزها عدم وجود قوالب ثابتة لأي من أنواع العمل الصحفي، ما إن تصب فيها الحروف تخرج لك شكلاً كخبر أو مقال أو تحقيق، فما إن تكتمل الأركان في خبر مثلاً فهو بهذا مكتمل وصالح للنشر، عكس مهن أخرى كالهندسة حيث تجد فيها أمور لا يختلف فيها اثنان، وكذلك الطب حتى لو اختلف التشخيص إلا أن العلة والمرض واحد، كما هو الحال في المحاسبة من حيث وحدة طرق عملها، وهكذا الحال غالباً وليس دائماً.

لذلك تجد أن كل محامٍ دارس في كلية الحقوق، وكل محاسب دارس في كلية التجارة، وكل طبيب قد درس بالفعل في كلية الطب، لكن ليس كل من يعمل في الصحافة قد درس في أي من فروع الإعلام، بل يكفيه أن يكون جامعياً، محب للعمل الصحفي، نال فرصة في جريدة أو مجلة من أي من أبواب المجاملة أو الوظائف الشاغرة حتى، لتجده مع التدريب والتمرين أصبح (متهيكل) في نفسه وكأن هيكل قد بعث من جديد.

لسنا هنا بصدد المطالبة بغلق الباب أمام غير الدارسين مطلقاً، بل القول بأن الكثير من الدارسين قد تجدهم غيرمقتنعين بأن كبار الكتاب كانت أعمالهم (بتروح للديسك)، وهم الذين درسوا أركان وتراكيب العمل الخبري، فما بالك بغيرهم من غيرالدارسين، والذين اتخذوا خط الصحافة مهنة لهم لمجرد أنهم (شطار في الكلام)، إلا أن شطارتهم في الكلام لم تغن عنهم في السقوط في بئر الارتجال المهني أو السرد القصصي الذي لا يغني عن إلزامية وحتمية التركيب الخبري وأركانه المعروفة، فمهما تعددت المدارس فهي تختلف في القالب الخبري  العام والشكل وطريقة التناول فقط، أما من يقول ماذا أين ومتى وكيف ولماذا (كما تعلمنا)- في الغالب- ضرورة وواجبة، ولا يكتمل الخبر إلا بها.

فلا تظن عزيزي الصحفي أن كل قارئ لك لابد له أن يخفض جناح الذل لعلمك وجهبذتك و(هيكلتك في نفسك)، من باب أنك خبير، فربما سنوات طوال مرت عليك وأنت ما زلت لم تمسك بعد بتلابيب قلمك ولم تعي بعد حجم المسؤولية ولم يتسنى لأحدهم ممن تظنهم عوام أن يحاجك في مدى بساطة ما تسرد بل وأحياناً عدم حرفيته، أو أن لونك أصبح يميل للأصفر من كثرة ماكتبت في صحف صفراء.. والعجيب أنك ليلة أن كتبت لم تطأ قدماك الأرض، بل كنت تحلق بجناحي عُجبك فوق تماثيل لأساطين وعظماء كانوا ينصتون ويتعلمون من غيرهم وينهلون من خبرتهم، عُجب جعلك ترى أن أمثالك لا يجب أن تمر أعمالهم على (الديسك) أو غير مسموح لقارئك بالنقد فمن هو ومن أنت، علماً بأن القارئ ربما يكون أحد أصحاب تلك التماثيل، وأحد الذين بنوا وأسسوا علم الصحافة أنفسهم.

ليس كل صوت طرب، وليست كل موسيقى سيمفونية، فما أكثر من ينعقون وتملأ أصواتهم الآفاق بنغمات تصم الآذان وحناجر مكانها ساحات القتال الشعبي في الحواري، إلا أنهم يبكون على عتبات نقابة المهن الموسيقية لمجرد اعتراف بوجودهم ولو في صفوف خلفية بعيدة عن ظل الطرب الحقيقي.

وللصدف العجيبة أن هؤلاء ربما في نفس ذات قعدة العرب،( فيه حد من الشلة اياها) قال له انت تنفع مطرب (فتعندب) في نفسه وظن أنه عندليب عصره وركب موجة أشبه ما يكون بمفرمة، تفرم كل غث ورديئ وصاوٍ و (مترب) وتصنع منه (مطرب)، موجة السماع لأي حد وأي كلام وأي صوت وأي لحن، ولتواتر الصدف نرى أن أي حنجوري منهم أيضاً لا يقبل النقد ولا يقبل تعددية الرأي أو ثوابت (القيم الفنية) وعدم خروجها عن العلم وثقافة المجتمع، مصحوباً بصوت على الأقل جيد، كما هي ثوابت الكتابة مصحوبة بأسلوب وطرح على الأقل يُقرأ، فإن لم يجد الاستحسان، لا يكن بحال مثاراً للاستهجان والنقد، فشطارة الكلام في قعدة العرب غيرها في تراكيب الحروف الصحفية، واستيفائها غير تستيفها ياسادة.

نلقاكم في قعدة عرب أخرى.

     عماد نصير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.