عماد نصير  يكتب: كاتعة ستايل .. لله أكمل حق المرسيدس

0

 

على كثرتهم وانتشارهم في شوارع مصر، من أقصاها إلى أدناها، لا يختلف في ذلك الصعيد عن الوجه البحري، وحدث ولا حرج عن القاهرة، لا يكاد أن يمضي يوم لا ترى فيه أعداداً “بدون مبالغة” من السائلين أو قل “الشحاتين” رجالاً ونساءً فتياناً وفتيات فرادى وأزوجاً أيضاً، في المترو أو القطار أو في الشارع، منهم من يمشي أو يدفعه طفل صغير “لزوم الحبكة”، وآخر يمسك بيده “علبة مناديل” تقوم بدور “المحلّل” لما ندفعه لهم من جنيهات لا نعلم مصارفها التالية.

بفطرتنا السليمة ندفع ولا نمنع، ويتوقف حجم العطاء على مدى تأثير “الشحات” فينا، ومقدرته على حبك قصته التي دفعته إلى مد يده، أو اختيار مفرداته المبكية، بل وأحيانا تقابل من ينظر إليك بعظمة قائلاً “هات 10 جنيه”، على طريقة بائع الخضار الذي جار عليه الزمن من الثراء إلى الفقر فأصبح ينادي على بضاعته “فجل يا غجر جرجير يا حوش”، يذكرنا بالفنان عادل إمام “No Dollar Egyptian Money” لا يختلفون في ذلك عن غيرهم ممن يطلبون “أجرة السكة” أو “فطار العيال” أو الجملة الشائعة الرنانة “بربي في يتامى”.

هناك فئات من “الشحاتين” تقودها عصابات منظمة وقادة شوارع وبلطجية و”ناضورجية” وسوابق، لزوم فرض السلطة والعمل تحت مظلة حمايتهم الشخصية، بل والإذن لهم بالعمل في شارع كذا ومنطقة كذا، وكأن هذا العالم أصبح له خارطة وتوزيع وإدارة ودخل يحسب ويوزع وفق كل دور ومدى فاعليته وتأثيره في إتمام منظومة “الشحاتة”.

قبل أن يهاجمنا أحد، أو يقول “هاتبقى أنت والزمن عليهم” وما إلى ذلك من مفردات الفطرة والتدين والنخوة و.و.و.و، لسنا هنا بصدد تحريم أو تحليل أو وصف أو تصنيف ولا حتى إلقاء الاتهام بأن جميع من مد يده “يمدها في جيبك لا يمدها إليك”، بل نستشهد في هذه النافذة بوقائع قليلة من قائمة طويلة، لعلها تجد من يقوم على فك الحجب وحل تلك المعضلة، ويضع حداً أو قل ضبطاً يحفظ على المواطن أمواله، ويمنح فرصة العيش الآدمي للمحتاجين من “السائلين” حقاً بعد دراسة وتمحيص للحالات المنتشرة بكثافة في شوارعنا، من خلال جهات الاختصاص، فنعرف هل ما ندفعه من جنيهات إلى السائل ضرورة ليشتري علاجه وطعامه ويؤمّن مأواه، أم أننا نساهم في شراء سيارته الجديدة وتغيير ديكور شاليه الساحل أو تشطيب فيلا التجمع.

نستذكر معاً حكاية “الطيب” و “الكاتعة” والـ 20 عيل، أو قصة “المتسول الثرى” الذي يجمع 21 ألف جنيه شهرياً، وأشهر شحات في بني سويف.. “مليونير وعنده عمارتين في فيصل”، أو “الشحات الذي ضبط في قطار الإسكندرية وبحوزته 55 ألف جنيه”، ولا ننسى العنوان الذي طالعتنا به الصحف “القبض على متسول يذهب لمكان عمله بسيارة ملاكي بالنزهة”، وأيضاً “نزاع قضائي على ثروة متسول.. 2 مليون جنيه و14 ميكروباص و12 شقة تمليك”، ومن منا لم يقرأ عنوان “مباحث شرطة النقل والمواصلات تلقي القبض على متسول بحوزته 30 ألف جنيه وبعض العملات الأجنبية”، وهذا قليل من كثير من عناوين الصحف التي تطالعنا بقصص تعيد إلى الأذهان قصص أخرى سبقتها عن مليونيرات في أزياء رثة.

نحن هنا نتكلم عن عمل منظم وابتزاز مدروس، لابد له من وقفة حقيقية، ولا مبالغة لو قلنا أنه حقل لا يقل في خطورته عن أي مهدد للأسرة المصرية، فإن أخذت أحد العناصر المذكورة كمثال وحصرت حجم “ما تم الكشف عنه فقط” من إجمالي ثرواته الظاهرة، ما بين أبراج وحسابات تعج بالأموال، وأساطيل السيارات التي بلغت 14 ميكروباص لأحدهم، فنحن حقاً أمام باقات أموال توجه في غير مصارفها، فشخص واحد يجمع شهريا ما بين 20:30 ألف جنيه من التسول، بعد دفع أرضية، وناضورجية، وحماية، وبلطجة، وغير ذلك مما يخفى علينا، ويكون محصلة إنتاجيته من “الشحاتة” كل هذه الأرقام، أمر محفز بقوة ودافع بشدة لغيره أن يحذو حذوه، ولعل منهم من يبتكر طرقاً أكثر حرفية من العاهة في الوجه أو قطع اليد أو حمل كيس “قسطرة” أو خطف أو “إيجار طفل” باليومية أو إنحناء القامة.. واللهم لا شماته فيمن يسأل عن حاجة، ويجاهد عزة نفسه كي يطعم من يعول.

الأمر بات مع الأرقام المعلنة والوقائع المتكررة يستحق وقفة جادة، يستدعي أن تتخذ الجهات المختصة والمعنية والمسؤولة موقفاً يحسب لها، تؤسس من خلاله نمطاً للتعامل مع الظاهرة، إما قانونياً بالتجريم والملاحقة، وإما إجرائياً من خلال دراسة الحالات المستحقة وكفالتها بشكل يحفظ لهم آدميتهم، ويحفظ لمصر صورتها الجميلة وهيبتها الكامنة في كرامة وحفظ ماء وجه جماعة من أبنائها، وبالتالي من يبقى في الشارع خارج الغطاء الحكومي، يعتبر في نظر المجتمع سارق لأموال الناس وممتهن “للنصب”، ألا يستحق فعلاً أن يعاقب على غرار “نشر الأخبار الكاذبة” لتعمد تقديم نفسه بالكذب، أو “تكدير السلم العام” لإمكانية استخدام تلك الأموال المجمعة بغير وجه حق في أعمال غير مشروعة؟ ألا يجرم قانون “العمل الأهلي” جمع أموال من المواطنين؟ أليس التسول في حد ذاته جريمة يعاقب عليها، طبقا لنص الماده ٣ من القانون رقم ٤٩ لسنه ١٩٣٣، بشأن مكافحه التسول؟.

حتى لا يزايد أحد على تديننا وفطرتنا، أذكره ونفسي بحديثه صلى الله عليه وسلم: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ) وحديث (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم) وأخيراً (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر).

 

                                            نلقاكم في قعدة عرب أخرى

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.