عماد نصير: يكتب – يد الدولة “الطيبة” ووحش الموجة الرابعة “الفتاك”

0

تطالعنا وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي بشكل يومي ومتكرر، عن حملات ومداهمات وزيارات لمحافظين ورؤساء مجالس محلية وبلديات، على أماكن التجمع والسمر واللهو وقاعات الأفراح وغيرها من مقاصد الترفيه الشعبي المعروفة للجميع.

سعياً من أجهزة الدولة للسيطرة على مزيد من انتشار فيروس كورونا بغلق الحاضنة الشعبية له، والتي في معظمها لا تتبع الاجراءات الاحترازية التي وجه بها مجلس الوزراء، حفظاً لأرواح الناس التي هي في الأصل ثروة مصر البشرية، وصوناً لمقدرات البلد التي تتمثل في حجم الإنفاق على العلاج والرعاية الطبية، فضلاً عن تعطل عجلة الإنتاج، التي لا يتمنى أحد من المخلصين تعطيلها أو حتى إبطائها، لا سيما في ظل أوضاع اقتصادية عالمية لا تخفى على كل ذي بصر وبصيرة.

الأمر في مجمله اتجاه صائب نحو تحجيم سرعة انتشار كورونا، ولا يخفي علينا حال بعض المناطق كسوهاج التي أصبحت بؤرة انتشار للفيروس، وتناول الاعلام لها بالقيل والقال نفياً وإيجاباً، لكن يبقى السؤال الأهم في الوقت الراهن، هل ما تتبعه أجهزة الدولة في الوقت الراهن من إجراءات “وقائية”، أمر كافٍ وفعال؟!، خاصة ونحن قد تجاوزنا مرحلة التوعية الوقائية، وأصبح لزاماً الانتقال إلى مرحلة الضرب بيد من حديد، يد غير مرتعشة ولا حتى حانية، تعاقب من يتجرأ على قوانين الدولة وأوامرها ونواهيها، فيما يخص التباعد الاجتماعي.

عداد إصابات كورونا الذي باتت دورته أسرع وأسرع من الموجتين الأولى والثانية، حتى تاريخ كتابة هذه السطور يشير إلى 224 ألف إصابة، من بينها 168 ألف حالة شفاء، وهو رقم بالمناسبة  جيد قياسا بدول أخرى، إلا أن العين لا تخطئ رقم 13107 حالة وفاة، ما يعني أن هناك عشرات الآلاف من الأسر التي اتشحت بالسواد على فقدان ذويها.

الأمر يحتاج منا ما هو أكثر من مجرد زيارات مفاجئة وحملات ليلية ومداهمات للمقاهي والأندية والصالات الرياضية ومحلات “البلاي ستيشن” والمطاعم وغيرها، خاصة وأن الأمر بات من الخطورة بمكان، استحق ما هو أقل منه أن تغلق الدولة دور العبادة لفترة، وتعلق الدراسة لفترات، وجدولة وتوزيع موظفي الدولة على أيام الأسبوع بالتناوب، والعديد من الإجراءات التي يكثر عدّها، وذلك صوناً لأرواح الشعب.

إلا أننا جميعاً لا يخفى علينا ما نراه ونلحظه من تسيب وإهمال واستهتار وتكاسل من قطاع عريض وشريحة واسعة، لا تكاد تأخذ بأسباب الوقاية والتباعد الاجتماعي والإجراءات الاحترازية، نراهم جميعاً في المواصلات العامة، والأسواق العامة التي ما زالت تُنصب هنا وهناك، بل أن غرامة عدم وضع الكمامة باتت أمراً يتندر به الناس على سبيل الطرفة و”النكتة”.

هم أناس ربما لم يمُت لهم قريب، أو ربما يظنون في أنفسهم أنهم بمنأى عن الإصابة بالعدوى، أو ربما معظمهم لا يؤمن بالأساس أن هناك وباء وجائحة لو أهملنا مقاومتها لكنا أثراً بعد عين لا قدر الله، بل الأدهى من ذلك أن تسمع بعض “الفصحاء” أنه لا يوجد ما يستدعي إجراءات العزل أو الإغلاق أو التباعد الاجتماعي التي تفرضها الدول على مواطنيها بالكلية، ضاربين الأمثال ببعض أحاديث لأناس لا يعيشون معنا على كوكب يأن من الوباء، أو لقادة دول كذبوا منظمة الصحة العالمية، متناسين أو يجهلون بالأساس أن أحد هؤلاء القادة الذي تبنوا نظرية المؤامرة، وأنكروا وجود فيروس قاتل، قد مات متأثراً بإصابته، وهو جون ماجافولي رئيس دولة تنزانيا، ولم يشفع له إنكاره للواقع.

الأمر بات يستدعي دون تأخير إجراءات أكثر صرامة، بعيداً عن الإغلاق العام للدولة بالطبع، وهو الأمر الذي نخشى أن نساق كرهاً إليه إذا اتسعت الدائرة، أو خرج الأمر عن حدود السيطرة لا قدر الله.

بات الأمر يستدعي تغليظ العقوبات وبشكل فوري حاد وبات، وأصبح لزاماً على كل معنيّ أو مهموم بشأن وطنه أن يبادر بتطوير أدائه من خلال موقعه وبعيداً عن كرسيه ومكتبه وفراشه الوثير.

لماذا تنحصر الحملات التي نتناولها بالشكر والتعظيم على المحافظين ومساعديهم وبعض القيادات فقط، ما حال باقي منتسبي المحافظات والمجالس المحلية للمدن والقرى والإدارات والهيئات الطبية، بل موظفي الدوائر الحكومية كافة، الذين يزيد عددهم على 6 ملايين نسمة بالمناسبة.

مجرد مقترح ممن يخشى على وطنه مغبة الوقوع في براثن التهاون أو غض الطرف عن تصرفات القطاع العريض من الشعب، استخفافاً منهم بمآلات الواقع، تراخياً تارة وانفصالا عن خط الدولة وتوجهها العام تارةً أخرى، فمن رجاحة العقل أن نعتبر بغيرنا لا أن نكون عبرة لهم، وما إيطاليا والهند عنا ببعيد، فعلينا أن نبذل الجهد المانع للشرب من كأس غيرنا.

إن جاز لمواطن أن يقترح على دولة هو لبنة من بنائها العام، أرى أن تصدر الوزارات المعنية قرارات وتسن قوانين تتيح شكل من أشكال “الضبطية ” توسع من خلالها دائرة من يحق لهم الرصد والمراقبة والتغريم والإغلاق، محصّنين بقوة وذراع الدولة القوي في مواجهة التراخي الذي ينذر بكارثة قد لا تتحمل طاقة الدولة مواجهتها، إذا تزايدت الأعداد وهو أمر بديهي الحدوث في أي مجتمع يتهاون في التعامل مع أي جائحة.

علينا أن نكون أكثر قسوة وغلظة وشدة في التعامل مع من كسروا حاجز الأدب مع الدولة، أولئك الذين قدموا مصلحتهم الخاصة من خلال العيش والتعايش بعقلية ما قبل كوفيد 19، فهذا يقدم الشيشة والشروبات في أكواب زجاجية، وذلك يشرع أبواب محل الترفيه خاصته للأطفال والشباب فيكتظ بهم دون أدنى حيطة أو حذر، وهؤلاء يتزاحمون في حافلات المواصلات العامة دون وقاية حتى بوضع كمامة طبية أو حتى كمامة من القماش، صوناً له منا ولنا منه.

حفظ الله مصرنا لنا وبنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.