لم يأتِ التاريخ قبل مصر بل جاء بعدها

0

بقلم محمد كامل العيادى

تاريخ مصر عريق جداً، ومصر ليست بحاجة لمن يكتب عنها، ولكن الكاتب هو من يحتاج إلى مصر حتى يكون لديه مادة دسمة، ويدخل بلاط الشهرة من أوسع أبوابها، مصر أصل الحضارة، والعلم، والعلماء، والمفكرين، والأدباء، مصر تاريخ يُدرس للعالم باسم “علم المصريات”، وهو فرع من فروع علم الآثار، يختص بدراسة تاريخ مصر القديم شاملا اللغة والآداب والديانة والفنون التي تمتاز بها مصر، فالحضارة المصرية هي من بدأ التاريخ بها التدوين، فمصر أول من أنشأت جيشاً نظامياً بها عام 3200 قبل الميلاد، بعدما وحد القطرين الملك “مينا”، وكان يمتاز بالقوة، وصُنف بأنه أقوى جيش في العالم، وعليه استطاعت مصر أن تنشئ الإمبراطورية الأولى في العالم، ليلقب بأول إمبراطور في التاريخ “تحتمس الثالث” الذي خاض 17 حملة عسكرية، أشهرها معركة مجدو التي دارت بين القوات المصرية ومتمردي كنعان، تحت قيادة ملك قادش، والتي انتصرت فيها القوات المصرية، لتمتد حدود مصر إلى عمق آسيا وأفريقيا، شمالاً إلى تركيا، وجنوباً إلى الصومال، وشرقاً إلى العراق، وغرباً إلى ليبيا، وأراد “تحتمس الثالث” بتزيين عواصم العالم، فنقل إليها المسلات الفرعونية، ومن هذه العواصم التي كان لمصر بصمة فيها، وما زالت حتى الآن هي نيويورك، ولندن، وروما، واسطنبول. ستظل مصر منارة العالم وقادته في التقدم رغم الظروف التي تمر بها، فستأتي يوماً ما وتنتفض بسواعد المخلصين، فمصر قد مرت بفترة تدهور، عندما غزاها الهكسوس، والآشوريون، والفرس الأخمينيون، ثم المقدونيون بقيادة الإسكندر الأكبر، الذي قامت المملكة البلطمية اليونانية بحكم مصر بعد وفاته، إلى أن احتلتها الإمبراطورية الرومانية بقيادة القائد الروماني “أوكتافيوس”، وذلك أثناء حكم “كليوباترا”، وأصبحت مصر مقاطعة في الإمبراطورية الرومانية، فيما عدا شبه جزيرة سيناء. وقد اختلف المؤرخون حول اسم سيناء، فقال البعض إنها تعني الحجر، لكثرة جبالها، وكانت تسمى “توشريت”، وتعني بالهيروغليفية أرض الجدب والعراء، وقد ذكرت في التوراة باسم “حوريب” أي الخراب، وفي القرآن الكريم عندما قال الله تعالى: “والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين”. وقيل أيضاً إنها مشتقة من اسم الإله “سين” إله القمر في بابل القديمة، وهو إله كان يعبد في غرب آسيا، وفي نقوش سرابيط الخادم والمغارة ليس لها اسم خاص، ويشار إليها باسم “خاست مفكات” و”دومفكات” أي مدرجات الفيروز، وفي المصادر العربية كان يطلق كلمة الطور على سيناء، وهي كلمة أرامية تعني الجبل، أي طور سيناء تعني جبل القمر. والمصريون القدماء كانوا يطلقون عليها اسم “ريثو”، بينما يطلقون على البدو بـ”عامو”، وذلك حتى ظهرت 1905م، النقوش السينائية عليها أبجدية لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وكانت حروفها تشبه الحروف الهيروغليفية، وقد استطاع عالم المصريات “جاردنر” فك هذه الرموز عام 1917م، وبين أنها لم تكن سوى كتابات كنعانية من القرن الخامس عشر قبل الميلاد من بقايا الحضارة الكنعانية في سيناء، وكان أهل سيناء خاصة أهل الشمال كان معروفين بأسياد الرمال، وأهل الجنوب كانوا يزرعون النخيل، والتين، والزيتون، ويرعون الماشية، وكانت تخرج حملات عسكرية لتأديب البدو نتيجة الغارات التي كانوا يشنونها على الدلتا. وأثناء احتلال اليونانيين أنشأوا مدناً على نمط الحضارة اليونانية، ومن هذه المدن مدينة البتراء تلك المدينة الحصينة في وادي موسى، التي كان يسكنها الأنباط، وفي أكثر الأقوال أنهم من أصول عربية قد نزحوا من أرض الجزيرة العربية، حتى جاء العصر الإسلامي، وجاء عمرو بن العاص في عهد عمر بن الخطاب، إلى مصر سالكاً طريق حورس في شمال سيناء، واستطاع السيطرة على العريش، ثم فتح “بولوزيوم” أو “فارما” تلك المدينة الأثرية التي كانت تعد من أكبر المدن المصرية في العهد الروماني وأقواها، فكانت مدينة حصينة، وكانت عاصمة إقليم شرق الدلتا خلال العصر الفرعوني والبلطمي، مما جعلها تنافس مدينة الإسكندرية في ذلك الحين، والتي هاجمها بلدوين ملك بيت المقدس، عندما كان في حملة على مصر عام 1118م، ليُهزم ويفر هارباً.مصر بلد غنية بأهلها وخيرات الله التي تنعم بها، فهي أسعد كل بلدان الأرض، فقد مر بها سيدنا إبراهيم عليه السلام، وتزوج السيدة هاجر من مصر وأنجبت سيدنا إسماعيل أبو العرب، وسارت الأسرة المقدسة “السيدة مريم وابنها عيسى”، على أرض مصر، وولد في مصر أنبياء الله دانيال، وذو الكفل، ويوشع بن نون، وسيدنا موسى كليم الله، وأخوه هارون، ومات على أرض مصر سيدنا يعقوب الذي دفن في فلسطين بعد وصية أوصى بها قبل مماته، كما حدث مع يوسف عليه السلام الذي دفن في أرض الشام، وقد بعث الله سيدنا إدريس في مصر، ومؤمن آل فرعون من مصر، كذلك الرجل الذي عزز به رسالة سيدنا موسى وهارون، كان من آل فرعون وكان يكتم إيمانه.مصر البلد الوحيد في العالم التي تستطيع أن تكتفي ذاتياً، فبها النيل، لذلك ستظل مستهدفة من كل محتل في العالم، فهي بلد الأمن والأمان، والصناعة، والتجارة، والزراعة، فكانت تصدر لجميع العالم من خيراتها، من الحب، والفاكهة، والخضار، والقطن ذلك البترول الأبيض، ورغم أنها تعرضت لغزو واحتلال إلا أنها ما زالت باقية، ولا بد أن يعي ذلك العالم أنه مهما طغيتم فإلى الرحيل وتحت الأقدام تُلقون. لا أحد يستطيع أن ينال من هذا التاريخ، ولا ينال من أرض مصر ونيلها، ومن يقرأ التاريخ يعرف أن مصر هي من صنعت التاريخ بما فيها، رغم تتابع الحروب والاحتلال، والغزو، وفقد الحريات في بعض الأوقات، إلا أن الجميع رحل وبقيت مصر لأهل مصر، وهذه رسالة لمن توسوس له نفسه أن يقرب من مصر، أو ما تملكه من خيرات طبيعية، مثل النيل ومصدر الماء له، فلن يُسمح لأحد أن ينال من شريان الحياة في مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.