محمد الخاقاني يكتب/ أهداف التواجد التركي فى العراق

0

يطرح تواجد القوات التركية في شمال العراق العديد من التساؤلات حول طبيعة مهمة تلك القوات العسكرية وأهدافها في الأراضي العراقية وانتهاك سيادتها في مخالفة واضحة وصريحة لمبادئ الأمم المتحدة التي تؤكد على ضرورة احترام السيادة بين الدول. إذ لم يكن التواجد العسكري التركي في شمال العراق هو الأول من نوعه، بل سبقته عمليات عسكرية عدة منذ تسعينيات القرن العشرين وتتحجج أنقرة بتواجد عناصر حزب العمال الكردستاني المعارض لها في مناطق جبال قنديل الذي تتخذه تلك الجماعات ملاذا آمنا لها وقيامها بين الحين والآخر للقيام بعمليات تصفها أنقرة بالإرهابية ضد مواطنيها سواء كانوا أفرادا أو عناصر أمن.

وترجع بدايات الصراع بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني إلى عام ١٩٨٤، فتركيا تجاهلت وجودا أقلية كردية كبيرة في جنوب شرق الأناضول، بل قمعت تلك الحركات الكردية مما أدى إلى قيام انتفاضات متكررة وبشكل عنيف، واستخدم الحكومة التركية من أجل سحق التمرد الكردي موارد الدولة الضخمة وخصوصا العسكرية منها مما أسفر عن سقوط ما يقرب من ٣٥،٠٠٠ ألف شخص، غالبيتهم من القومية الكردية.

وتستند تركيا في تواجدها العسكري في شمال العراق إلى اتفاقيات سابقة تتيح لهم التوغل داخل العمق العراقي إلى مسافة ١٠ كيلومترات وبموافقة الجانب العراقي وكان الهدف من تلك الاتفاقيات هي ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني الذي عدته أنقرة تنظيما إرهابيا يسعى حسب الرؤية التركية إلى تحقيق حلم الدولة الكردية، وبالتالي نرى بأن أنقرة لم تكتفي بتلك الرخصة العراقية، بل تعدتها إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة للجيش التركي في مدينة بعشيقة شمال الموصل..

وتعد بغداد ذلك التواجد العسكري التركي انتهاكا صارخا لسيادة دولة جارة وخرقا فاضحا لمبادئ حسن الجوار حسب مبادئ الأمم المتحدة وبالتالي تعده بغداد عدوانا على سيادتها وأرضها، بل طالبت أنقرة بسحب تلك القوات فورا من الأراضي العراقية، وهذا له تأثير كبير على علاقات بغداد وأنقرة على الرغم من التقارب بين الدولتين منذ عام ٢٠٠٣ وهو عام دخول القوات الأمريكية واحتلالها للعاصمة بغداد.

وتشير أنقرة إلى أن تواجدها العسكري جاء بطلب عراقي وهذا ما تنفيه الحكومة العراقية، إذ تعلن أنقرة بأن تواجد قواتها وانتشارها كان بطلب من حكومة إقليم كردستان لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي في إطار جهود التحالف الدولي وهذا ما رفضته بغداد بل وطالبت أنقرة بضرورة سحب قواتها فورا من العراق ورفعت بذلك طلبا لمجلس الأمن للنظر في تلك القضية مع شجب دولي وإقليمي وعربي لمسألة تواجد قوات عسكرية تركية.

ويمثل انتشار القوات التركية في شمال العراق هدفا إستراتيجيا وأمنيا لأنقرة، إذ لم تتغير تلك الإستراتيجية التركية إزاء العراق، فهي تسعى إلى تبرير تواجدها في العراق بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يتخطى تواجدها إلى مزيد من هامش الحركة والحرية وترتيب الأوراق من جديد واستعادة المناطق التي تراها أنقرة قد تم سلبها منها في أعقاب الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية وتقسيمها بين دول الحلفاء بموجب معاهدة عام ١٩٢٦ التي ضمت الموصل إلى العراق وتحت الانتداب البريطاني، إذ لا تزال الموصل شاخصة في مخيلة الأتراك وبالتالي ترغب أنقرة في لعب دور كبير في رسم سياسات المنطقة من جديد، إذ تتجه الجهود التركية في قمع مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين يسعون إلى إقامة دولة كردية تمتد من جنوب تركيا وصولا إلى الشمال السوري وهذا ما لا تريده تركيا بالذات.

إن العراق قد طالب مرات عديدة وبشكل رسمي وعبر القنوات الدبلوماسية بضرورة سحب القوات التركية من شمال العراق وذلك عبر تسليم السفير التركي في بغداد لرسائل احتجاج ضد التصرفات التركية التي اعتبرتها بغداد مستفزة وتشكل عدوانا على سيادته وحسب الأعراف الدولية.

وتحتفظ أنقرة بأكثر من 10 قواعد مؤقتة موجودة بالفعل شمالي العراق، فيما تسعى أنقرة لإقامة المزيد منها بمبرر حربها ضد حزب العمال الكردستاني، وتمتد مناطق انتشار القواعد التركية في إقليم كردستان العراق على طول الحدود.

وكانت أنقرة قد أعلنت في شهر حزيران الماضي عن عمليات عسكرية جديدة تستهدف عناصر حزب العمال الكردستاني في تصعيد جديد وخطير في المنطقة، وهذا ما دعا الحكومة العراقية إلى شجب تلك العمليات ومطالبة أنقرة فورا إلى سحب قواتها، ورافق ذلك الاستنكار العراقي أيضا، شجب عربي متمثل في جامعة الدول العربية وعلي لسان رئيسها أحمد أبو الغيط الذي أدان العمل العسكري التركي في شمال العراق ودعا أنقرة إلى ضرورة سحب تلك القوات العسكرية كونها تشكل تهديدا للأمن العراقي وانتهاكا لسيادة بلد عربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.