مقالات

محمد خراجة يكتب: يسألونك عن الجلوس في المنازل

يسألونك عن الجلوس في المنازل، قل: فيه تلاطف وتعاطف ومشاجرات واحتكاكات واشتباكات ومضايقات ومناورات وإسراف في المأكول والمشروب، وافتقار للحرية، وزيادة في الإنفاق!
تحاول حكومتنا الرشيدة والمعصومة من الأخطاء! أن تدير الأزمة الطارئة بحرفية وشفافية، فاتخذت مجموعة قرارات وإجراءات، كان أبرزها حظر التجوال ليلًا، سبقها إجراءات تخفيض تواجد القوى العاملة بالمصالح والهيئات والوزارات والأماكن العامة والتجمعات، ثم قرارات اقتصادية وهي محقة وغير محقة.
كل ذلك، دون أن تستشير الشعب، الذي لا تحب أن يشاركها الرأي؛ إذ تعتبر نفسها وصيةً عليه، لعلمها أنها لن تخضع للمحاسبة. كذلك، خضع الشعب للقرارات لأنه لا يوجد من يحب المخاطرة بحياته، رغم احتياج السواد الأعظم للعمل والسعي على الرزق، فمع الجلوس بالمنازل زادت نسب الاستهلاك، وارتفعت معدلات الإنفاق بأكثر من 50% عما كان عليه الأمر قبل أزمة كورونا؛ وذلك في ظل انخفاض دخول معظم الأسر.
لقد اضطربت ميزانيات الأسر؛ لتسابقها على شراء السلع والمواد الغذائية؛ لتخزينها، وتزامن مع ذلك الإسراف في الأكل والمشرب، إضافة إلى شراء المطهرات والمنظفات وأدوات الوقاية من كورونا عافانا الله وإياكم منه.
وبذلك، أصبحت الأسر عاجزة عن الخروج، وتعيش بين نارين: نار المشاجرات في البيوت، وحبس الحرية من جهة، ونار تربص الوباء في حالة الخروج للشارع خشية الإصابة. ومن ينظر للأزمة يرى أن الكل قد أُضير منها، ولكن بدرجات متفاوتة، سواء على مستوى الدول أو الأفراد، فكلٌ حسب ملاءته المالية، وما لديه من مخزون.
على مستوى الدول التي أصيبت بهذا الوباء، فمن لديها وضع اقتصادي قوي، وقدرة مالية، تستطيع مواجهة الأزمة؛ وبالتالي يكون تأثيرها محدودًا لوجود منظومة صحية متقدمة، أما الدولة ذات الوضع الاقتصادي الضعيف، فإن تأثير الأزمة يكون واضحًا.
وعلى مستوى الأفراد، فالأكثر تأثيرًا، هم الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والعمالة المؤقتة، بينما يكون التأثير محدودًا على الأغنياء.
وإذا نظرنا للقرارات الحكومية، نلاحظ عدم شعور المواطن بها، وليس لها مردود إيجابي واضح، فكان أكثر المتضررين هم السواد الأعظم من الشعب بدرجات متفاوتة؛ لضعف أوضاعهم المالية، فضلًا عن زيادة الإنفاق، الذي تزامن مع ارتفاع أسعار السلع في ظل عمليات استغلال غير مبررة من التجار؛ فأصبح كثيرون عاجزين عن مواجهة متطلباتهم المعيشية.
وبشكل تفصيلي، يبلغ عدد القوي العاملة نحو ٢٩ مليون عامل وموظف، فالموظف الحكومي لم يتأثر دخله ، ولكن اضطربت ميزانيته؛ بسبب زيادة الإنفاق، وارتفاع الأسعار، أما العاملون بالقطاع الخاص فتأثرهم أشد؛ لأن القطاع الخاص في مصر لا يعمل بنظام التكافل، وليس لديه استعداد للوقوف بجانب العمالة، ثم الأشد تأثرًا ، وهم العمالة المؤقتة التي ليس لها عمل ثابت.
ولا شك في أن الصحفيين هم الأكثر تأثرًا بالأزمة؛ نظرًا لانخفاض نسب توزيع الصحف، مع تراجع الإعلانات، فإذا كان الصحفيون بالمؤسسات القومية متضررين بشكل ما، فإنَّ العاملين بالصحف الحزبية والمستقلة أكثر تضررًا، لاسيما من في الصحف العاجزة عن صرف المرتبات.
لقد أعلنت الدولة عن تخصيص مائة مليار جنيه لمواجهة الأزمة، وتشجيع الناس على البقاء بمنازلهم، كما خفضت أسعار الكهرباء للمصانع، ورفعت الحجوزات الإدارية للممولين، مع الإعفاء من ضريبة الدمغة؛ وهي قرارات يصب معظمها في مصلحة رجال الأعمال، وليس في صالح المواطن الذي تضرر بشكل واضح.
وكان قرار البنك المركزي بتخفيض سعر الفائدة 3% صائبًا لتحريك حالة الركود، مع ضخ تمويل جديد للمشروعات بغرض زيادة الإنتاج، بينما كان قراره بتأجيل سداد القروض على الأفراد والشركات لمدة ستة أشهر، مع استمرار الفائدة هادفًا فقط لترحيل الديون، ولكن بأعباء أكثر على المقترض، وكان الأكثر خطورة قراره بتحديد حد السحب والإيداع؛ إذ أثار بلبلة لدى الشارع المصري، وبعث برسالة غير جيدة للمتعاملين مع البنوك، وأدى إلى الازدحام والتدافع.
ومن حيث تأثير الأزمة على الوضع الاقتصادي، فإنه سيتأثر على كافة المستويات بدءًا من معدل النمو الاقتصادي المتوقع انخفاضه بنسبة 25%، وتأثر إيرادات الدولة البالغة نحو 1.4 تريليون جنيه من الضرائب والجمارك وعوائد الهيئات الاقتصادية والخدمية، كما سيتأثر العائد من النقد الأجنبي، وقطاع السياحة، وقناة السويس، وحركة الصادرات والاستثمار، علاوة على الناتج المحلي الإجمالي البالغ 4.1 تريليون جنيه وفق آخر إحصاء للحكومة.
إنَّ الحكومة لم تستعد جيدًا لهذه الأزمة الطارئة، فالاقتصاد تحيط به عوامل ضعف؛ مثل ارتفاع حجم الدين العام إلى نحو ٤ تريليونات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق