محمد مستجاب يكتب: أهمية أن تدرك معنى القارة السادسة أسيوط

0


في العدد الأول لجريدة أخبار أسيوط عام 1999، كتب الأديب محمد مستجاب سلسلة تحت عنوان نبش الغراب.

أسيوط لم تكن ابدًا مديرية، أو محافظة أو منطقة أو – حتى – عاصمة للصعيد إنما أسيوط بكل دقة هي القارة السادسة في هذا العالم الواسع حدودها الشمالية تحتك بالحزن القديم الضاحك المرح عند عيون بلاليص العسل الأسود في دير مواس إبطها الدافئ أديرة التوحد القديم المتفاعلة مع الطفل الرسولي الجميل عيسى المبتسم في وجه مريم العذراء تحت حافلة الجبل، نهاية أول جزء من الرحلة القدرية هروبا – على ظهر حمارة – من الأذى اليهودى الرومانى في فلسطين مع يوسف النجار، حتى تترقرق الصخور القديمة تحت أشعة مقابر متناثرة في منطقة “مير” لتتهدج في عبق  عواء خافت لأبن أوى “الذى كان رمزًا للعبادة في تلك المنطقة” وعندها ترنو قارة أسيوط بعيونها شرقًا لتستقبل الشمس العتيقة التى تتمرغ في جوانحها مدافن فراعنة ونصارى ومسلمين وتفرز من بين مسارب جبالها عتاة اصحاب المواويل والموحدين والناسكين وقطاع الطرق ورعاة القوافل والرعاة والذئاب والأغانى، ثم على حدودها العليا – جنوبًا – تتواتر الافرازات التاريخية لمواويل ابن عروس وجمهورية الفتى تمام واصداء التقلب الادارى بين العاصمتين جرجا وسوهاج ، وفى العمق – عمق قارة أسيوط – أى فى فؤاد هذه القارة الأسيوطية تتفاعل ظلال قديمة حديثة وافدة والاختناق مقامات الشيخ الفرغل وجلال الدين السيوطى مع مساحات السطوة السياسية عند اولاد الهلالى ومحفوظ ومخلوف والقباني ومحمد محمود واحمد قرشى وحامد جودة، تلك السطوة التى تعزف الحان قيامها على ابداعات الباقورى وعبدالرحمن تاج ولطفى المنفلوطى لكى تتألق فى أحسن صورها الرائعة عند محمود حسن اسماعيل الذى لو خطوت خطوة إلى أعلى لكان هناك جمال عبدالناصر العظيم حيث يتهادى التاريخ كفاحًا ودمًا واستشهادًا مفاومة لارتال المماليك في أبوتيج، وجحافل الحملة الفرنسية في بني عدى – منفلوط ثم هذا الشريان الوطنى الملتهب في الجسد القوى حين اخترقه قطار الامداد البريطانى بالذخائر قادمًا من القاهرة ليواجه ثوار 1919 في اسيوط.
والذي قطع عليه الطريق الحديدي فتيان تلك القارة فى ديرمواس “كانت دير مواس – وملوى تابعتين لأسيوط في تلك السنوات الآن تتبعان المنيا”، متضافرة مع ثوار ديروط ليداهموا جنود القطار المدجج بالقوة البريطانية ويغتال ثوارنا – آباؤنا – القائد البريطانى بوب، وعددًا مذهلًا من القوات حيث ساعد في اكمال تلك الموقعة الدامية الدموية العظيمة ما قام به أبو المجد مأمور مركز ديروط حين فتح مخازن السلاح للثوار “وقد أعدم أبو المجد فى أول المحاكمة”، ليتهادى القطار الثورى على القضبان الممتدة إلى أسيوط مشتعلًا بالغيظ والدم والثورة على القضبان الممتدة إلى أسيوط مشتعلًا بالغيظ والدم والثورة وعبدالرحمن الرافعى المؤرخ المعروف فتح لهذه الوقائع جزءًا واسعًا من رصده لحركة ثورة 1919.

وعشرات من أبناء الثورة أعدموا شنقًا للمدنيين وبالرصاص للعسكريين، ترى نصب هؤلاء الشهداء في مدخل ديروط وقد حاصرته صناديق المجد واقفاص الموز والتفاح والجوافة والعنب والطماطم والشرف العظيم ذلك الذي يجاهد ويقاتل محافظ أسيوط الحالى – الطحلاوى – فى رفع حصار هذه الخضروات والفواكه والحلويات والفطائر عن شاهدها الشامخ الذى تنسال من جراح جوانبه اصوات المجد التليد الصاخب تحت إيقاعات الموسيقى السخيفة المعاصرة.

وقبل أن نغمض العين ع القطار الثورى فى ديرمواس – ديروط لابد لنا المرور المتسكع حول نهر النيل وما فعله ثوار شلش فى ذات تلك الأيام، حين تجمعوا على شواطئ النهر كى يقطعوا الطريق “المائي” على الباخرة الإنجليزية التى تحمل المدد للقوات البريطانية فى أسيوط بعد حادثة القطار بأيام قليلة، كان واضحا أن الطريق البرى والسكة الحديد لم يعودا صالحين لنقل الإمدادات وبالتالى فقد تحركت القوات البحرية – النهرية – لتقوم بالدور غير أن قائد الباخرة الحربية النهر استخدم فكرة اللئيم فى التزام الصمت وكأن الباخرة بطة برية من بطات خالتى رتيبة أو عمتى نفيسة وبعد أن أطلق الثوار الرصاص على الباخرة “البارجة أفضل” فى عرض النيل دون أن يواجهوا أية مقاومة، صاح أحدهم: الهجوم، الهجوم، واخترق الثوار ببنادقهم غمار المياه نحو الباخرة تلك التى كادت تتوقف استسلامًا، والتى – والثوار بسلاحهم فى منتصف الطريق انفتحت طاقات جحيم الرصاص ومن لم يمت بالرصاص مات غرقًا ، كانت كارثة.

سوف تظل الشاشة المصرية فى التليفزيون والسينما وخشبة المسرح تقدم أفخر ما قام به الشعب المصرى الطيب المضروب المكافح من أمجاد فى البارات وفتوات الشوارع وغرف النوم وعلاج الذكورة ورائح ورود الشرفات وعلاقات النوافذ والبلكونات تاركة قطار ديرمواس وديروط وبارجة شلش و مواجهة بني عدى للقوات الفرنسية الباطشة وحياة الكهنة والأئمة والأدباء والمعبرين عن  روح هذا الشعب حيث لا تنتبه من كل ما يحدث فى قارة أسيوط كلها ألا لحكاية سخيفة مفتعلة عن خط الصعيد مع أهمية تسجيل اكبر مجموعة من النكت عن الصعايدة “بدعوى أنها تطلق على واحد من اصحابنا دون تحديد أنه صعيدى – سلام ” وضرورة متابعة عبدالرحيم بيه  كبير الرحيمية قبلى، وذلك الصعيدى – جزاكم الله – الذى التحق بجامعة مونت كارلو.

وسوف تظل هذه القارة – أسيوط – أعظم من كل أجهزة تحديد القارات والمحافظات وشرائح البطاطس مع الجبن أو رائحة الدواجن الامريكية هى القارة الخامسة فى الحساب العصرى للقارات السابقة على تلك القارة العظيمة أسيوط التى لا أود الانحناء أمامها لأنني لم أتعود الانحناء ابدًا، كما علمنى جمال عبدالناصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.