مقالات

معراج أحمد يكتب.. السنسكريتية وأثرها في اللغة العربية

تمتاز الهند عما سواها من االبلدان والأقطار على خريطة العالم بحضارتها القديمة وثقافتها الرائعة التي ما زالت ولا تزال تجلب إليها القلوب والأنظار وتسحر الألباب والأفكار. يرجع تاريخ ثقافتها وحضارتها إلى الزمن لم يهتم فيه الناس تدوين التاريخ والحوادث تدوينا ملحوظا، فإنها مليئة بالتواريخ العتيقة وغنية بالحضارات القديمة واللغات المختلفة والثقافة المتميزة، فأولا مما لفتت أنظار العرب إليها هي اللغة السنسكريتية. تأصلت آثار اللغة السنسكريتية وتعمقت في اللغة العربية إلى حد كبير وتركت تأثيرا بالغا في الأدب العربي.

احتلت الهند مكانة مرموقة في المجال الثقافي والعلمي في القديم بكونها غنية بالثقافة وزاخرة بالعلوم والفنون. فتركت الآداب والفنون الهندية بصمات واضحة على الآداب الأمم المختلفة بما فيها الأداب العربية وارتقت الحضارة الإنسانية في تطورها من خلال الأخذ والعطاء والتأثير المتبادل. واللغة هي أقدم الوسائل للإتصال بين الشعوب. واللغة هي وسيلة إنسانيّة خالصة لتوصيل الأفكار والإنفعالات والرغبات. ومن مظاهر تأثير العرب في ثقافة الهند وحضارتها تأثير اللغة العربية التي تخصهم والتي حملوها إلى هذه البلاد في لغات الهند ولهجاتها وآدابها وحضارتها.

عرفت الهند بعراقة حضارتها وغينية ثقافتها. يرجع تاريخ الهند وحضاراتها إلى زمن عتيق. لم تنشأ الحضارة الهندية في أصولها البعيدة على ضفاف أنهار الهند الشمالية بل قامت على أساس عناصر من الحضارة السومرية التي نُقلت إلى الهند ونمت في البيئة الهندية ثم ازدهرت وتطورت حتى أصبحت من حضارات التاريخ الكبرى. ومعنى ذلك أن الحضارة الهندية قامت على حضارات أقدم فأقدم ثم تَتَوَالَى واحدةٌ فوق الأخرى كما هو الحال في الحضارات الكبرى.

شكلت الهند من هوية متميزة في مضامير الحكمة والادب والفلسفة حيث عرف صاعد الأندلسي الهند بأنها هي بلاد الحكمة. إن الحضارة الهندية من الحضارات الأولى التي شهدها العالم القديم كما كانت مركزا لعديد الطرق التجارية المهمة عبر التاريخ ويتفق الباحثون في مجال الدراسات الحضارية بشكل عام.

نشأت الحضارة الهندية من حصيلة الامتزاج بين ثقافات الشعوب المتنوعة. وتمثلت أكثر ما تمثلت في الديانة الهندوسية التي تعتبر من الأديان التي تعتنق الحياة كلها ومن هنا كانت لها مظاهرها الدينية والاجتماعية والفنية والأدبية.

تأثرت الحضارة الهندية بالحضارة الإسلامية تأثرا كبيرا. وقد تعاظم هذا التأثر في عهد أمبراطورية المغولية. فقد كان للهنود إسهام بارز في فن العمارة وفي الفلسفة و والعلم الأدب. وتعتبر ملحمة مهابهاراتا أعظم ما قدمته الحضارة الهندية إلى الأدب العالمي حتى تعتبر الأرقام الهندية ويدعوها الغربيون الأرقام العربية أهم إسهاماتها في الميدان العلمي .

إن العلاقات الثقافية بين العرب وجنوب الهند فيرجع تاريخها إلى قبل دخول الإسلام الهند.وقد ساهمت التجارة ذات المسافات الطويلة في تعزيز العلاقات الثقافية بين الهند والدول العربية. وعلى مدى القرون، كانت الهند ملتقى لعديد من الثقافات. وامتصت الهند أفضل هذه التأثيرات وبقيت كمستودع مثالي لجميع الثقافات المختلفة على مدى قرون طويلة.

توطدت العلاقات التجارية مع مرور الزمن وأدت دورا بارزا في توطيد العلاقات الاجتماعية والثقافية والصلات السياسية في عصور لاحقة. فمن خلال هذا الاحتكاك الاجتماعي بدأ العرب يتأثرون بالهنود من ناحية اللغة فتأصلت وتسربت آثار اللغات الهندية في اللغة العربية. إن عددا كبيرا من الكلمات والمفردات والأمثال والحكم الهندية تسلل وتسرب إلى اللغة العربية وأصبح جزءا لا يتجزأ فيها وذلك نتيجة للاحتكاك بين الهنود والعرب على المستوى الاجتماعي والثقافي من خلال الترجمة.

استوعبت اللغة العربية عدد كبيرا من الكلمات والمفردات الهندية السنسكريتية ومصطلحات العلمية حيث أن اللغة العربية لم تجد بدائلها فيها. ولم يقتصر  العرب على اقتباس الألفاظ واكتسابها من الهندية والسنسنكريتية بل صرفوها وشقوها ونوعوا في معناها جددوا في استخدامها حسب أحوالهم الأدبية. إن الكلمات والمفردات من السنسكريتية التي دخلت في اللغة العربية جرت على لسان الملاحين والتجار العرب حتى عربت وشقت طريقعها إلى الشعر والكتب التاريخية والجغرافية والأدبية. ومن الممكن الذكر هنا بعض الألفاظ السنسكريتية التي تسربت في اللغة العربية وأصبحت عربية حتى تبدو أنهها عربية الأصل، علي سبيل المثال: 

  • المسك: هذه الكلمة من سنسكريتية الأصل “مسكا” تعربت “مشكا” باللغة السنسكريتية.
  • الكافور: هذه الكلمة معربة من كلمة هندية الأصل “كبور” وهي في الأصل من اللغة السنسكريتية.
  • العود: تغلغلت هذه الكلمة من اللغة الهندية إلى العربية وهي في الأصل ” أود” وتغيرت إلى كلمة “عود” بعد تعريبها من اللغة الهندية إلى العربية.
  • الزنجبيل: هذه الكلمة سنسكريتية. وهي في الأصل “زرنجابير” مشتقة من كرينجا أو ” زرنجا”
  • القسط: تسربت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية إلى العربية. وهي في الأصل” كته”
  • الصندل: تسللت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية إلى اللغة العربية، وهي في الأصل ” تشندن”
  • النارجيل: هذه الكلمة هندية الأصل وهي “ناريل” في اللغة الهندية وبعد التعريب أصبحت ” النارجيل” وهو الجوز الهند الهندي.
  • الموز: عربت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية وكانت في الأصل “موتشه” تغيرت إلى “الموز” في اللغة العربية بتصرف.
  • الفلفل: عربت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية وهي في الأصل ببلي” أصبحت الفلفل في اللغة العربية.
  • القرنفل: دخلت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية إلى العربية وكانت في الأصل ” كرن بهول” بعد التعريب أصبحت القرنفل.

إن هناك كثيرا من الألفاظ والكلمات السنسكريتية التي دخلت وتسربت في اللغة العربية وأصبحت جزءا لا يتجزأ ولعبت دورا  مهما في إثراء اللغة العربية وتركت آثارا بالغةة وانطباعات راسخة على العربية. تأصلت آثار السنسكريتية وتعمقت في اللغة العربية إلى حد كبير وتركت تأثيرا بالغا في الأدب العربي.

يشهد التاريخ أن العرب استفادوا من الهند في مجال الأدب والثقافة وتأثروا بأفكار الهنود واقتبسوا منهم في كتبهم الأدبية المهمة. ويتجلى هذا التأثير الهندي في كتب الأدب العربي والتاريخ والجغرافيا والملاحة والفلك والنجوم والطب والرياضيات، ولعلنا نذكر أن أحد هذه الأعمال الأدبية عراقة وشهرة عظيمة. يتمثل في كتاب “كليله و دمنه” الذي نقل من اللغة السنسكريتية إلى العربية.

تفاصيل الكاتب..

 

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية ،كولكاتاالهند

[email protected]

الرابط:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق