كتاب اليوممقالات

علاء عبدالحسيب يكتب: المتاجرون بآلام الناس

بدأوا من الآن المتاجرة بآلام الناس.. تجدهم في كل مكان.. محافل وفعاليات وندوات ومؤتمرات وأفراح ومآتم.. متطوعون ليس لله بل من أجل المصلحة الشخصية.. يضعون أيديهم على جروح البسطاء ليظهروا بها عطفا وهي في الواقع أنين وآلام.. نصّبوا أنفسهم أوصياء على البسطاء .. وهم في الحقيقة انتهازيون ينتظرون الفرصة للمتاجرة بهموم الناس.

جمعني لقاء بموظف كبير في إحدى القطاعات التابعة للأزهر الشريف.. تحدث معي عن اعتزام صديقه «رجل الأعمال» العودة من دولة الكويت الشهر القادم استعدادا لفترة ما قبل الانتخابات البرلمانية.. سألته وكيف يستعد؟ .. فأكد لي أنه خصص 30 مليون جنيه من أمواله للإنفاق على دعاية انتخابية مسبقة خلال فترة ما قبل الانتخابات.

استوقفني المبلغ الضخم الذي ذكره.. تلقائيا دار في ذهني العديد من التساؤلات.. لماذا ينفق هذا المرشح كل هذه الأموال الطائلة من أجل الحصول على مقعد في البرلمان المفترض أنه خدميا؟.. وطالما قبل بأن يتقدم لهذا المنصب «الخدمي» لماذا لا ينتظر الصندوق لأن يقول كلمته بشرف ونزاهه؟.

نماذج كثيرة «غير مؤهلة» تستعد من الآن لخوض المعركة.. أصحاب المال السياسي ومافيا تجارة الأصوات بدأوا مبكرًا مؤامرات الاستعداد للخوض في مارثون انتخابات النواب المنتظر.. الأمر يتطلب الانتباه جيدًا قبل إفساد هذا العرس الذي اقترب .

أسئلة كثيرة تتردد في كل الأوساط.. لماذا يصر هؤلاء العودة بنا إلى عصور الظلام؟.. لماذا لا يؤمنون بالديمقراطية الشريفة في عملية اختيار «نائب الشعب»؟.. لماذا يعيدون لأذهاننا ثقافة «شراء الأصوات» للفوز بمقاعد البرلمان؟.. نظرات الشباب قبل مجيء معركة الانتخابات البرلمانية مليئة بالخوف والترقب.. مسئولية كبيرة تبقى على عاتق الدولة ومؤسساتها الرقابية لمواجهة هذا الخطر قبل وقوعه.

أعلم أن الوقت ربما يكون سابقا لأوانه لأن نطرح تخوفات المرحلة القادمة في تاريخ الحياة النيابية في مصر خاصة قبل عملية الاستقرار على النظام الانتخابي الجديد .. لكن ما تمر به مصر والعالم من تحديات سياسية وثقافية، وتغيرات اقتصادية مشرّفة.. وفي ظل أحداث محلية ودولية غير مستقرة يتطلب أن ننتبه لما هو قادم .. الأمر يتطلب وجود برلمانيون على قدر كبير من المسئولية والفكر داخليا وعلى المستوى الخارجي أيضًا.

ولا أعتقد أن الفرصة سانحة المرحلة المقبلة من تاريخ الحياة النيابية لأن يعود إلى مجتمعنا مافيا المال السياسي وتجار الأصوات والمنتفعين.. فلا الوقت يسمح لأن يحتل هؤلاء مقاعد البرلمان مرة أخرى.. ولا المكان بات مرحبّا بعودة «الشليلة» وأحزاب «الزيت والسكر»..

إن المرحلة المقبلة تحتاج لدماء جديدة تحت قبة مجلس النواب تتواكب مع الحداثة التي تشهدها مصر.. إلى نائب يمثل جميع أطياف دائرته، نصيرا للمرأة، متضامنا مع هموم الشباب، أسدا في الحق أمام حقوق الغلابة والبسطاء، صاحب فكر يعرف حقوقه وواجباته.. نائبا في دولة بحجم مصر.

وبما أن المؤشرات الأولية قد تبدو بأن هناك الآلاف ممن سيخوضون الانتخابات البرلمانية المقبلة وهو بالطبع حق مكفول للجميع.. فإن المعركة تبدو «شرسة»، ما بين تجار المال السياسي ومافيا تجارة الأصوات الانتخابية والمنتفعين من ناحية.. وبين النماذج المثالية وصاحبة الرصيد الخدمي من ناحية أخرى.. وهنا يتوقف الأمر حول التأني في عملية الاختيار، حتى لا نجد أنفسنا قد اخترنا نوابا يبحثون عن مصالحهم فقط.

وأخيرا إن الفترة المقبلة في تاريخ البرلمان المصري العريق تحتاج إلى نماذج على قدر عال من الوطنية وحب الوطن “أفعالا لا أقوال” .. رجالا على قدر كبير من الثقافة والسياسة واحترام القانون أيضا .. صادقون على قدر كبير من المسئولية الحقيقية بالعمل العام والتواجد بين جموع المواطنين البسطاء والغلابة دون متاجرة بآلامهم.. اجتماعيون لديهم مقومات التواصل مع كل أطياف المجتمع.. على قدر كبير من التواضع والوفاء والصدق واحتواء الجميع .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق