د. محمد مهنا : تصريحات الرئيس الفرنسي ضد الإسلام تكشف عن زيف الأقنعة التي تتجمل بها الحضارة الغربية الحديثة

0

بقلم د. محمد مهنا

تعليقاً على ما طالعتنا به وسائل الإعلام مؤخراً من تصريحات الرئيس الفرنسى، “إيمانويل ماكرون” التى يتهم فيها الإسلام بأنه ديانة تعيش اليوم أزمة فى كل مكان فى العالم ، مشيراً إلى أن الإسلام يحاول خلق منظومة موازية لإحكام سيطرته فى البلاد ، وغير ذلك من الإدعاءات التى تندرج كما هو معلوم ضمن سياسات الإسلاموفوبيا، والحقيقة أن تصريحات السيد ماكرون لا تعدوا أن تكون إسقاطًا بتعبير علماء النفس ، وهى حيلة لا شعورية من حيل دفاع الأنا بمقتضاها ينسب الشخص إلى غيره ميولاً وأفكاراً مستمدة من خبرته الذاتية وتاريخه الذاتى، يرفض الإعتراف بها لما تسببه من آلام وما تثيره من مشاعر الذنب ، فالسيد ماكرون يعبر بذلك عن حقيقة الأزمة التى يعيشها الغرب فى الآونة الحديثة ذلك :- أولاً : إن الإعتقاد بوجود تقدم مضطرد تعيشه الحضارة الغربية الحديثة بدأ يتزعزع ليس عند البعض من كبار المفكرين المرموقين فى الغرب فحسب، بل لدى جماهير كثيرة من الشعوب الأوروبية التى بدأت تدرك أن غروب شمس هذه الحضارة قد بات أمرًا وشيك الوقوع .
ثانياً : لقد بدأ الكثير فى الغرب يدرك أن المخاوف ومشاعر الإحساس بالرعب التى تسيطر على النفس الأوروبية وغيرها من النفوس التى تأثرت بها فى العالم كله ليس مصدرها الإسلام أو الأديان، إنما تكمن فى المخاطر التى تنطوى عليها هذه الحضارة الغربية ذاتها بفعل تقدمها المادى المفرط ووسائل التدمير غير المحسوبة دون وازع من الإيمان يعصمها من الإنفجار، فهى حضارة تحمل فى طياتها بذلك عوامل تدميرها بذاتها من ذاتها.
ثالثا: أصبح من المعلوم للكافة أن الجماعات الأرهابية التى ترفع راية الإسلام صناعة أوربية أمريكية وأن مراكزها مستقرة هناك وتنطلق خطط مؤمراتها وتمويلها ومعلوماتها من هناك.
رابعا: أما العلماء فيعلمون أن الإرهاب قد وجد جذوره لأول مرة فى تاريخ البشرية مع الثورة الفرنسية التى وضعت الرعب على جدول أعمال الجمعية العمومية بإعتباره نظامًا مشروعًا لإنجاح النظام الثورى الجديد، وهدم الكنيسة بل القضاء على كل ماهو دينى أو له علاقة بالغيب. ثم تأتى على أنقاض ذلك، فى مرحلة أخرى من السقوط، الحركات الفوضوية”Anarshisme” للتمرد ضد ما أسموه الوهم الأعظم ، ضد الدين، ضد الإله، ضد كل سلطة ربانية كانت أم بشرية، جماعية كانت أم فردية، لتصب نوعًا جديدًا من الجريمة والوحشية فى وعاء الإرهاب، ثم تأتى الحركات العدمية “Nihilisme” لترسخ للجريمة الكبرى، لفكرة إنكار الإله، ليس فقط كما يقول ديستوفيسكى ” Dostoievski” بالتمرد على نظامه أو أحكامه بل على ذاته، وعلى الإنسان أن يحتل مكانه. وما معنى أن يكون الإنسان إلهًا، يعنى، كما يقول ديستوفيسكى”Dostoievski” الإعتراف بأن كل شئ مباح، يعنى رفض كل قانون غير قانونه الخاص، فالحق مايراه هو وحده، وما يستطيع أن يفرضه بقوته، فلم يعد نظام العالم يقوم على التمييز بين الحق والباطل، أو الخير والشر، وإنما على السيطرة والهيمنة، فداموقليس ” Damoclles” لم يرقص أبدًا، كما تقولون، أفضل مما كان تحت وطأة السيف، أليس ذلك هو بعينه سياسة “الرعب النووى” التى يرقص العالم كله تحت وطأتها بما فيهم دولتكم القويه، سياده الرئيس، أليس ذلك هو بعينه العولمة، وهل هى شئ أخر غير هيمنة النظام الغربي بوصفه النمط الوحيد للحضارة والفكر والثقافة والإعلام والعلوم والفنون والأداب والسياسة والإقتصاد والقانون، فاتحاد العالم الذى لم يتم فى ظل الإله، كما يقول ألبرت كامى”A.Camus” يحاول هذا الفكر أن يقيمه اليوم ضد الإله، تلك هى حقيقة الأزمة التى تعيشها، سيادة الرئيس ويعيشها الكثير من المغترين فى أوربا وكثير من مناطق العالم منذ عصر النهضة، بزعمكم حتى يومنا هذا.
خامسا: لقد بدأت عقول كثيرة تدرك أن حضارتهم التى اقتنعوا بها لا تحتل مكانة مرموقة فى التاريخ كما كانوا يعتقدون وأن مصيرها قد آل إلى الغروب تاركة من وراءها خواء روحياً عظيماً، مقابل تركة ثقيلة من المآسى والألام والحروب والدمار مما تعجز الإنسانية عن وصفه وسجلته أحداث الحروب العالمية وحروب الأجيال الحديثة والتى من أهمها الأرهاب والحروب الإقتصادية والنفسية والإعلامية والثورات الإليكترونية، وأن هذه الأزمة التى تعاني منها الحضارة الغربية الحديثة تعنى أنها قد بلغت نقطة حرجة، كما يقول العلامة الفرنسى ” رينيه جينو” “René Guénon”، وأن تغيرًا فى الإتجاه قد بات وشيك الوقوع حتماً ، طوعاً أو كرهاً ، بكيفية مباغتة أو متدرجة، بكارثة أو بغير كارثة، وأن هذا الطابع الشاذ الذى عليه هذه الحضارة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية .
واستكمل مهنا :إن السيد ماكرون يعبر بتصريحاته هذه عن حقيقة الأزمة التى يعيشها الغرب الحديث الذى فَقد كلَ معنى للغيب، ولعالم الغيب، ومن ثَم كراهية كل ما هو دينى أو كل ما هو مقدس، فما ثم من حقيقة عندهم، وهذا هو ما أصطلح على إطلاقه الفلاسفة والمفكرين “بإشكالية المعرفة” ،فالحضارة التى تقوم على إنكار المبادئ العليا هى حضارة مجردة من أية وسيلة تفاهم مع الحضارات الأخرى، خاصة التراثية منها، ذلك أن عقلية كهذه، إنما هى عقلية مصطنعة على نقيض الفطرة ، ومن ثم فهى زائفة.
وأوضح مهنا في تدوينته على الفيس بوك أن النزعة الفكرية الحديثة كما يقول العلامة الفرنسى “رينيه جينو” تتسم بالقلق العقلي بلا نهاية، فهى غارقة فى إفتعال المشاكل وطرح الأمور على نقيض الحقائق ، ومن ثم تغذية الخلافات وتأجيج الصراعات من أجل ما هو نفعى فقط ، بصرف النظر عن ما إذا كان الأمر يتعلق بحق أم بباطل .
فهل يرى فخامة الرئيس أن مغازلة اليمين المتطرف فى فرنسا أو كسب أصوات الجماهير أو غير ذلك من المنافع مبررًا كافياً لصناعة الكراهية بين الشعوب والأمم والحضارات والأديان؟
وأضاف مهنا أن تصريحات السيد ماكرون تكشف عن زيف الأقنعة التى تتحلى بها الحضارة الغربية الحديثة ، وكذب الشعارات التى لا تفتأ قيادتها وسماسراتها عن تروجيها دائمًا من قبل شعارات النزعة الإنسانية، وحقوق الإنسان، وشعارات الحرية والإخاء والمساواة، فكيف تستقيم هذه الإدعاءات مع ما انتهجه الإتحاد الأوروبى خاصة فى فرنسا من سياسات الإندماج التى تهدف إلى القضاء على هوية المواطنيين من المسلمين هناك، بمحو ثقافاتهم وعاداتهم وأنماط حياتهم ومظاهر عقائدهم ؟
أم كيف تتسق هذه الشعارات مع محاولات فرض مبادئ العلمانية على المساجد والجمعيات هناك وتمديد حظر الحجاب إلى القطاع الخاص ؟ وهل الإسلام هو الذى يريد إحكام سيطرته على البلاد، أم نسي السيد “ماكرون” أن مستعمرات فرنسا كانت تشكل عشرين مرة ضعف مساحة فرنسا، ومستعمرات بلجيكا، ستين مرة ضعف مساحة بلجيكا، وهولندا ثمانين ضعف مساحة هولندا ،وهكذا إيطاليا والبرتغال…الخ أما بريطانيا فكانت الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس .
وتساءل مهنا : هل الإسلام هو الذى يحمل العنف والإرهاب والحروب والدمار إلى الغرب، كيف ومن الثابت تاريخيًا أن المسلمين، كانوا دائما ولازالوا من أول يوم أرسل فيه النبى صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا محلًا للإعتداء، فمن الذى فر بدينه إلى الحبشة، ومن الذى أضطر لمواجة موجات العدوان المتوالية من قبل الكارهين للإيمان من كفار قريش وفارس والروم، ومن الذى كان محلًا لعدوان التتار ، ومن الذى تحمل الحروب الصليبية على مدى أكثر من مائتى سنه متواصلة، ومن الذى كان محلًا للإستعمار الحديث طوال أكثر من قرنين من الزمان، وهل صُنع مصطلح “الإرهاب” “Terrorisme”، فى البداية فى أى بلد اسلامى؟، وهل يمكن للسيد “ماكرون” أن يبين لنا فى أى بلد من بلاد الإسلام بدأت الحركات الفوضوية “Anarshisme” والحركات العدمية “Nihilsme” أو غيرها من الحركات الإرهابية التى اجتاحت أوروبا خلال عقود دامية من تاريخها الحديث؟! هل يمكن للرئيس ماكرون أن يوضح لنا من الذى صنع الأسلحة النووية واستعملها لأول مرة، ومن الذى اخترع أسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأسلحة الفتاكة؟! من يبين لنا ماهى نظرية الفوضى الخلاقة؟ وماهو مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الصغير؟هل يستطيع فخامة الرئيس أن يشرح لنا من الذي صك مصطلح ” سياسة الرعب النووي ” التى تحكم العلاقات الدولية منذ عقود طويلة؟!
وخاطب مهنا، الرئيس الفرنسي لقد قطع المسلمون فى الشرق ألآف الأميال فى اتجاه الغرب وفهمه جيداً، بل أصبحنا نعيش حضارة الغرب، وإقتصاد الغرب، وسياسة الغرب، وعلوم الغرب، وتعليم الغرب، وفكر الغرب، وثقافة الغرب، وإعلام الغرب، وفنون الغرب، وربما تظن فخامتكم أن ذلك ناجم عن هزيمة حضارية نعانى منها، ولكن أرجو أن تظن أيضاً أن يكون ذلك لأننا ليس لدينا عُقداً مع الآخر، ولا نحمل فى إسلامنا إلا السلام للآخر ، ولا نبذل بحكم إسلامنا إلا الحب للآخر، فخامة الرئيس … طالما ظل الغرب يعتقد أنه ليس ثمَّة حضارة فى الوجود إلا حضارة واحدة، هى حضارته الغربية فقط، ولطالما ظل يعتقد أنه ليس هناك ثمَّة إنسانية جديرة بهذا الوصف إلا الإنسان الغربي فقط، ولطالما ظل يعتقد أنه ليس هناك ثمَّة حقوق للإنسان، سوى حقوق الإنسان بمفهوم ومعايير الغرب فقط ،ولطالما ظل الغرب يعتقد أنه ليس هناك وجود للعلوم سوى علومه الطبيعية فقط،ولطالما ظل يعتقد أنه ليس هناك مفهوم للتقدم سوى التقدم المادي فقط، فإن لقاء الشرق والغرب سيظل أمرا بعيد المنال، ونخشى أن تتحقق نبوءة الشاعر الإنجليزى “رديارد كيبلينج ” ” Kippling ”
“الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيان أبداً ” متسائلا هل يتقدم الغرب ولو خطوة واحدة نحو الشرق ، مقابل آلاف الأميال التى قطعها الشرق فى الإتجاه نحو الغرب؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.