أهم الأخبارتقارير و تحقيقات

فلسفة الموتى.. “إيزيس” انشودة فرعونية بعثها الموكب الملكي من جديد

كتبت- سمر صفي الدين:

من صخرة صماء بأحد معابد مدينة الأقصر الفرعونية، أطربت إنشودة قديمة آذان العالم؛ لتبث الروح من جديد في اللغة المصرية القديمة، وهي الإنشودة التي تعرف بـ”إيزيس”.

وتلك الإنشودة كانت أحد أبرز مظاهر الإبهار المصري الكبير في الموكب الملكي الأخير الذي تابعه العالم بشغف وهو يحمل 22 من مومياء الملوك القدماء، حيث قدمتها أوركسترا الاتحاد الفيلهارموني بقيادة المايسترو نادر عباسي، وموسيقى وألحان هشام نزيه.

وفي تلك الأثناء التي استمرت قرابة الساعة، ابحرت الإنشودة بمستمعيها إلى الزمن القديم، وكأنهم حطّوا رحال آذانهم بين أروقة معبد فرعوني ضخم، بصوت أميرة سليم التي أبهرت بصوتها الأوبرالي المستمعين.

حالة من المشاعر المختلطة انتابت رواد مواقع التواصل الإجتماعي، لما تحمله من مشاعرألفت هذه الإنشودة التي عُرضت لأول مرة بعد نقشها قبل آلاف السنين ،رغم كلماتها غير المفهومة.

وترصد جريدة “اليوم” بعض الأسباب البارزة التي حركت مشاعر الجميع وأحيت لغة خلقت شعورًا خاصة بالإنشودة “إيزيس”.

نص الانشودة

وهي عبارة عن مختارات من ترانيم “المهابة لإيزيس” من معبد دير الشلويط بمحافظة الأقصر، وترجع المقطوعة للعصر البطلمي، وكلماتها التي تم تحويلها إلى اللغة القبطية لإمكانية القائها، وعزفت خلال الحفل العالمي الأخير، وجاءت كالتالي:

أى رمت نترو

أن باجو

نتس حنوت وعت

سنج أن إيست بغ أن اس جت اف

سنج أن إيست انتس حنوت آمنت تاوى ام اسيبوى

سنج أن ايست ايرت رع ور حسوت ام سبات

سنج أن إيست ردى نس عات أن نيسو بيتى

ومعناها باللغة العربية:

يا أيها البشر والألهة الذين في الجبل

انها السيدة الوحيدة

مهابة لايسة فإنها التى تلد النهار

مهابة لايسة فإنها سيدة الغرب والأرضين معا

مهابة لايسة فإنها عين رع عظيمة القدر في الأقاليم

مهابة لايسة فإنها التى تهب الكثير لملك مصرالعليا والسفلى.

فلسفة الموتى

تعتبر إيزيس في اعتقاد المصريين القدماء “ربة القمر”، كما عبدها البطالمة والرومان، وكان لها معابدها في عدة بلدان رومانية.

وتعتبر أم الطبيعة وأصل الزمن، واشتهرت بأسطورة أوزوريس زوجها، والتي تحكي عن إيزيس التي جمعت أشلاء الزوج لتعيده للحياة مرة أخرى.

وتجسدت الأسطور في تماثيل، وهي حاملة ابنها “حورس”، وفوق رأسها قرنان بينهما قرص القمر.

ويُعتقد أنها ترشد الموتى إلى الحياة الآخرة كما ساعدت أوزوريس، ولعبت إيزيس دورا صغيرا في الترانيم الملكية وفي شعائر وطقوس المعابد، إلا أنها كانت أكثر أهمية في طقوس الدفن وفي النصوص السحرية.

السبع وصايا

وقع اختيار المايسترو نادر عباسي على نص الإنشودة، وهو عبارة عن مقطتفات افتتاحية من الترنيمة الأصلية ليس أكثر؛ ليقدمه للملحن هشام نزيه، ليصنع من جانبه لحنًا أنصت له العالم، بعد أن جسَّد هيبة وعظمة الملوك المارين عليها.

وللمسات “نزيه” دورها القوي في جعل الجمهور يشعر بألفة الإنشودة التي لم يسمعها من قبل أو حتى يفهم كلماتها، ولسابقة أعماله التي تداعب الروح والتي تمتزج بين الغرابة والحزن والفزع في بعض الأحيان، ورغم ذلك تجذبك لسماعها مرارًا وتكرارًا دون ملل.

قدّم الموسيقى التصويرية لعدد من المسلسلات منها “أفراح القبة” و”العهد: الكلام المباح” و”السبع وصايا” و”نيران صديقة” وكذلك فيلم “الفيل الأزرق” و”الكنز” و”تراب الماس”.

ونجد أنه عندما لحنّ تتر مسلسل “السبع وصايا” الذي أثار ضجة وقت عرضه، ونال اعجاب الجمهور رغم أنه في البداية لم يفهم كلماته.

فيما وضح بعد ذلك أن الكلمات للشاعر الصوفي محي الدين ابن عربي الأندلسي، فكان لهذا اللحن نفس وقع الإنشودة، والتي تقول:

فللهِ قومٌ في الفراديسِ مذ أبتْ قلوبهم أن تسكن الجوَّ والسما

ففي العَجَلِ السرُّ الذي صدعتْ له رعودُ اللظى في السُفلِ من ظاهر العَجَى

الربابة والناي

كان لظهور بعض الآلات الشرقية القديمة في العرض في إطار متصل وآخر منفصل كـ آلة الربابة والناي والهارب والدُف وقع على مسمع الجمهور مألوف كألات شعبية متوارثة قديمة.

وعن وضع الربابة لعازفها أحمد منيب ضمن الأوركسترا والذي يعد أمر غير متكرر، كانت فكرة الموسيقار هشام نزيه، لتخرج لنا في تناغم رائع غير مسبوق.

أما عن آلة الدف والتي كانت تعزفها تقي عبدالرحيم، هي ألة أثرية مكتشفة من 3الالف سنة قبل الميلاد ومازالت تستخدم حتي الان في إحياء الأفراح في النوبة وبعض الأماكن كنوع من الفقرات التراثية لزفاف العروسين.

وللأسباب السابقة فهي مألوفة لدى المصريين وساهمت بشكل كبير في إعطاء الإنشودة روح مصرية.

لحن غولغاثا

كما عزا البعض شعوره الغريب أثناء سماع الأنشودة، إلى تأثير ألحان الكنيسة، والتي لا تزال تردد ترانيمًا باللغة القبطية، وألحانها كذلك من وحي التراث الفرعونى، خاصة ألحان ترنيمة “أسبوع الآلام” والتى تأتي على نمط الألحان الجنائزية من كتاب الموتى.

وأشهر تلك الألحان لحن “غولغاثا”، ويردد يوم الجمعة العظيمة “الحزينة”، وفق المعتقدات الكنسية، واللحن موسيقاه فرعونية مأخوذة من تجنيز الملوك، كما كان يرتله الفراعنة أثناء التحنيط وفي مناسبة الجنازات عمومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى