عماد نصير : يكتب/ أنوف عارية .. ولقاح مُنتظر

2

أنوف عارية .. ولقاح منتظر

 

كل من ماتوا متأثرين بفيروس كورونا (ناس كبار أو مناعتهم ضعيفة)، مقولة كثيراً ما تصطدم بها مسامعنا في الأماكن العامة بكل أسف وبرغم ما يعانيه العالم من تسارع في الخطى للوصول إلى مصل يحفظ على مليارات البشر حياتهم، ويقي خزائن الدول النزيف الحاد الناتج عن الإنفاق السلبي، كونه إنفاق لا يدر دخلاً قومياً على بلدانهم.

وكأننا ما زلنا نعيش في هذا البلد وهذا الكوكب مع أناس من عوالم أخرى خارج مجرتنا، أناس لهم خصائص جسمانية وقدرات مناعية تؤهلهم أن يواجهوا كورونا (بصدورهم العارية) بل لنقل (بأنوفهم العارية)، ويتغلبون عليه، ومع أول (عطسة) فجأة تجد العنترية في أبهى صورها وقد تحوت إلى رقة وتمسكن وعودة للخلف للطبيعة البشرية التي تبكي ندماً وتمرض ثم تموت.

لسنا هنا بصدد نقاش حول مصدره، ويكفينا أن نعرف أنه اكتشف في ديسمبر 2019م في مدينة ووهان الصينية، فهذا الأمر قد قتل نشراً وبحثاً، وسواء كان مخلق معملياً في الصين كما قال البعض، أو صيني فقط وربما غير مخلق إلا أنه ما زال محتفظاً بجنسيته الصينية، كما أطلق عليه دونالد ترامب الرئيس الأمريكي في أحد تصريحاته، حين وصفه بالفيروس الصيني، بل نناقش بهدوء مدى استيعابنا كمصريين لمدى خطورة الوضع لحين الانتهاء من آخر فرد يصله المصل المنتظر.

إذا قررت أن تأخذ جولة على قدميك في محيط عملك أو مسكنك، تصطدم بمشهد الغالبية، وقد تجاهلوا تماماً وضع الكمامة، إما إهمالاً وعدم الاكتراث من البعض، أو جهلاً بخطورة الوضع وربما ضجراً من طول مدة تغطية أنوفهم من البعض الآخر، لكن المحصلة النهائية أنك ستندهش أن الكثيرين غير ملتزمين بالتعليمات والإرشادات الصحية، إلا أن الأمر المدهش حقاً هو ذلك التضاد الفج في (مترو الأنفاق)، تلك الوسيلة التي تعد أحد أهم وأكبر شرايين النقل في القاهرة الكبرى والمترددين على القاهرة من الأقاليم، وتقدر إحصائيات أن عدد مستخدميه يقارب 4 ملايين راكب بصورة يومية، فتجد أن الإذاعات الداخلية لا تتوقف عن الإرشاد والترغيب والترهيب والدعاء بالنجاة من هذا الوباء، ومع ذلك تجد الكثيرين وهنا أعني (الكثيرين) دخلوا وخرجوا من المترو بدون الاستفادة من الإرشاد، ولا تعرضوا للترهيب من دفع الغرامة، معولين فقط على الشق الآخير .. وهو الدعاء بالحفظ من الوباء.

لا تقتصر مواجهة الأوبئة العالمية على دولة بعينها حتى لو كانت دولة المنبع، بل يتطلب الأمر عملاً جماعياً وهو ما شاهدناه حرفياً على المستوى الدولي، كون انتشاره سريع ويمثل خطورة على الاقتصاد العالمي المتشابك أخذا وعطاءً، استيراداً وتصديراً، والدولة المصرية مؤخراً وكغيرها أخذت على عاتق اقتصادها أن تقدم التيسير والتسهيل على المواطنين بما يحقق التباعد الاجتماعي وعدم التزاحم وبالتالي الحد من انتشار العدوى، ويبقى أن يلتزم المواطنون بذلك وأن يستفيدوا من تلك المعالجات.

فالوزارات كوزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى مثالاً، قد أكدت على عودة الاجازات الاستثنائية فى الوزارة والجهات التابعة لها كإجراء احترازي، أن يتم تناوب العاملين بالتناوب، والدوائر الحكومية ألزمت موظفيها بوضع الكمامة ومن يخالف يتعرض للخصم من الراتب والتحقيق، والمحليات بدورها في الكثير من المحافظات خفضت نسب الحضور للنصف، كما منح رئيس مجلس الوزراء الحرية لكل وزارة أو جهة حكومية وبمرونة كاملة، أن تحدد أعداد منتسبيها وموظفيها وفق ما تقتضيه ظروف العمل بكل قطاع ومؤسسة خدمية، بما لا يؤثر سلباً على الخدمات المقدمة للمواطنين.

هنا قامت الدولة تجاه مواطنيها بشيء من الرعاية غير المباشرة، وكنوع من أنواع الوقاية والحفاظ على استقرارها من خلال الحفاظ على استقرار الأسرة المصرية والمجتمع المصري سليماً معافى، ويبقى أن يظهر دور المواطن بصورة أكبر وأكثر وعياً، فالأمر جلل وليس من قبيل الترف الإعلامي أو الفراغ الأممي، بل وباء لا يقل شراسة عن الحروب، ولولا وقفات الدول واستيعابها لحجم الموقف، لمات الملايين والملايين إلا أنه قدر الله لا محالة، ووقفة دولية حازمة، قوضت خطر الانتشار بصورة أبشع مما هي عليه، والتي لو كانت قد حدثت لكانت الشعوب قد التزمت بصورة أكبر، وبالطبع نحن معهم.

حتى يصل المصل إلينا في مدن وقرى مصر، في ريفها وحضرها، نأمل أن تشدد الأجهزة المختصة قبضتها ورصدها ومواجهتها ضد التساهل القاتل ولن أقول من البعض، بل من الكثيرين والأغلبية من وجهة نظري، (تفعيل الغرامات ربما كان حلاً لنشر وتفعيل الوعي الذي يتم تجاهله عمداً)، لا سيما لو كان ذلك في وسائل المواصلات العامة المملوكة للدولة أولاً، ومواصلات النقل الجماعي الخاصة ثانياً، فلا معنى أن أكون ملتزماً ومحيطي متهاون ومستهتر ويقع عبء التوعية على كاهلي كفرد أو مؤسسة، وإن حدث فلن يكون صوتي مسموعاً كصوت الدولة سواء ترغيباً أو ترهيباً كما أسلفنا، والدولة بوسائلها الإعلامية قادرة على تحقيق ذلك، أما الفرد فلا يسعه إلا أن يستعمل نفس الوسائل المزدحمه مجبراً وربما مجاوراً وملاصقاً لمريض مستهتر ولا يكلف نفسه حتى بوضع قطعة من القماش يقي بها نفسه من غيره وغيره من نفسه.

ولسنا هنا بصدد ابتداع، بل هناك من الدول من فرض أضعاف مضاعفة للغرامات المفروضة لدينا، بل وتطبقها فوراً، ومن الدول من أوصل العقوبة إلى حد السجن لمدد ليست بالقصيرة.

سيدي المواطن (أبو العريف) من خلال ما يرد إلى مسامعنا من روايات وقصص وأفراد من ذوينا فقدناهم نتيجة الإصابة كورونا، وجب أن نلفت انتباهك إلى أن القاعدة التي تتبعها وهي أن من يصاب ويموت (ناس كبار أو مناعتهم ضعيفة)، هي قاعدة خاطئة وقياس باطل ومعلومات مغلوطة، ولا يسعدني أن أقول لك أن منهم شباباً ورياضيين وأطباء، كانوا جميعاً يتمتعون بصحة جيدة وربما أصيبوا برغم حرصهم كثيراً وتفريطهم قليلاً.

قد يقول البعض لا يمنع حذر من قدر، حسناً عزيزي المزايد على تديننا، لعلك تذكر قول الله تعالى (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ولم يعرف العالم منذ عقود تهلكة كالتي نعيش أيامها، فانأى بنفسك وأهلك وبلدك والتزم بما يكون سبب في نجاتنا جميعاً من هذا النفق الذي قارب على الانتهاء.

نلقاكم في قعدة عرب أخرى

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.