مقالات

الدكتور محمد جابر: «ذكرى أمي»


خلوقة بشوشة أمرأة فطرية خارقة لكل القواعد أثرت في الجميع بشكل إيجابي إذا جلست معها جلسة أنك شعرت بدفء غريب وكأن الخير مخلوق لها نعم أنها أمي هذا الكائن الملائكي التي كانت تستقبل الجميع بابتسامة مشرقة وكأنك ترى النور مشع من وجهها من فرط ابتسامتها ، وبالرغم من أنها أمية لكن كان معها مفتاح لأجمل وأروع علوم الدنيا كنا دائما ما نتسامر ونتحاور في مجالات شتى وكانت تمتلك من الحجة ما يجعلك ترضخ لرأيها أمي دائماً على صواب لأنها تمتلك من الخير منهجاً.
مرت بالكثير من الظروف الصعبة منذ وفاة والدي ولكنها ظلت صامدة كالجبال وأبت إلا أن تعلمنا جميعا وساعدتنا في الحصول على درجات علمية وكانت دافع لنا ودائما تردد كلمتها الجميلة في حب العلم بلهجتها الصعيدية ” علموهم ولا تأرسوهم” بمعنى أن العلم خير ورث وتوالت الأيام والليالي وأنا وأخوتي في كنف هذه السيدة التي استطاعت أن تجمع شقي الأمة على محبتها بل حتى أطفال شارعنا كانوا يحبونها وذلك من فرط العطاء.
كان لي مع أمي صولات وجولات بحكم أنني الابن الأصغر نعم كانت تتدللني تهدهدني لكن كانت صارمة كالسيف لكل مقام مقال كانت رفيقتي في كل محنة وعلمتني مواجهة صعاب الحياة والتغلب عليها بالصبر علمتني أن أنتقي أصدقائي وأن أتخذت من فلان صديق لابد وأن أقف معه ظهراً بظهر علمتني فنون فطرية كثيرة بل علمتني الصلاة والقرب من الله هذه السيدة الطاهرة النقية عندما وصلت سن ال٧٠ كانت تنام على سريرها وكنت أنام على كنبة بجوارها ولأنها كانت صوامة قوامة وهذا فعلها منذ طفولتها كانت يوميا تصحى لقيام الليل في الثلث الأخير قبيل صلاة الفجر ولكي تعلمني بأدبها كانت توقظني برفق الحبيب محمد ظبط لي الماء لكي أتوضأ يا الله هل اتركها تتوضأ وأنا أنظر إليها يا حسرتي كم أنا مفرط مرة تلو أخرى بدأت أتوضأ مثلها وأخرج لصلاة الفجر وتتوالى الأحداث إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي أتوجه فيه إلى القاهرة لأتوجه لنقابة الصحفيين للتحويل من جدول تحت التمرين إلى جدول المشتغلين وأثناء سفري بالقطار إذ بموبايل أمي يرن وعند ردي سمعت أصوات كثيرة حولها وكلما سألت عليها يقولون لي تتوضأ أو أي حجة أخرى ولشدة ارتباطي بأمي تملكني شعور القلق عليها وهنا جاء دور زوجتي تلك العروسة التي لم يتم على عرسها ١٦ يوما اتصلت عليها وقلت لها توجهي على الفور إلى أمي وأعطيها الموبايل حتى أكلمها وبالفعل توجهت هي ووالدها ووالدتها بينما أنا على أوج الانتظار اتصل بهم كل دقيقة وعندما توجهوا إلى أمي وجدوها وقد بدت عليها آثار جلطة في المخ وبالفعل جاءني هذا الخبر الذي جعلني اتخبط كان يوم مطير توجهت إلى نقابة الصحفيين وشرحت موقفي للاستاذة أمينة المسئولة عن القيد هذه السيدة المهذبة الكريمة التي اخذت مني الأوراق وأنهت كل شيئ بنفسها وهنا توجهت على الفور إلى موقف السيارات الخاص بأسيوط وكانت تمام الساعة الواحدة ظهرا لكن كان الجو مطير والطقس سيئ مما جعلنا نأخذ أكثر من ١٤ ساعة سفرا وتوجهت إلى أمي التي فقدت الذاكرة أثر الجلطة لكن أبهرتنا بالفعل من شب على شيئ شاب عليه كانت أذا سمعت صوت المؤذن يأذن للصلاة تصلي وإذا أقام الصلاة تصلي وشاء الله أن تتعافى في شهور قليلة وكنا أنا وأخوتي وأبناءهم حولها كالشموع واستمر هذا الحال قراية العام إلى أن جاءتها حلطة أخرى نقلت على أثرها لمستشفى أسيوط الجامعي ومكثت غير كثير ٢٢ يوما في غيبوبة كاملة في صلاة وتسبيح لتعلم الفريق المعالج ومن حولها صلة الإنسان وربه بطريقة واقعية وهنا لكل إنسان نهاية فكيف تكون خاتمة المتقين في مثل هذا اليوم الأول من ذي الحجة ومع صلاة العصر كان أخي الأكبر يقف بجوار أمي يقرأ من سورة ق وجاء إلى قوله تعالى والتفت الساق بالساق وبالفعل حدث ذلك ونطقت الشهادتين في أمر مذهل كل هذا وأنا أراقب الموقف من بعيد لم تأتني الجرأة أن أقف بجوارها ولم أصدق هل انقطع الخير عني وفاضت روح أمي لكن تركت لنا بساتين من الخير مروية بفيض الحب والعطاء جعلك الله في أعلى عليين وحشركي مع خاتم النبيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى