مقالات

عبدالراضي الزناتي يكتب: أضواء المحروسة

قديمًا، كنت أنبهر بأضواء المحروسة، بمصابيح الكهرباء؛ التي لا تنقطع مطلقًا، حتي كنت أمتع نفسي وأنظر إلى أعمدة الإنارة؛ التي تسطع دائمًا ولا تنطفئ ليلًا أو نهارًا، في بعض الأماكن أشاهدها حتي الصباح، عندما تبدأ مطاعم الفول والفلافل، بالازدحام فتشغلني عنها وأتحدث إلى نفسي مثل، دياب في فيلم (الأرض) عندما قال: «يا بختكم يا أهل مصر ممتعين نفسكم وبتاكلوا عيش قمح وطعمية».
نعم، كل شيء كان مختلفًا تمامًا عن حياة أهل الريف والصعيد، فنحن الذين كنا نسهر بالساعات متجمعين في منازل من يمتلكون شاشات تليفزيون؛ لكي نشاهد مسلسل الساعة السابعة بعد النشرة، أصبحنا الآن نتمتع بمقاهي العاصمة التي تستيقظ حتي الصباح مع كل أفلام السينما والأكشن، وهي دائمًا رغبة أهل الصعيد في المشاهدة حتي في أفلامهم يميلون إلى العنف أيضًا.
ما هذا الذي يبتلع مياه الأمطار؟ غرف الصرف الصحي وسيارات الكسح! ومن يدرك أطفال الصعيد وهم يسيرون في الطين حتي يصلوا إلى أماكن دراستهم؟ هذا لمن كان ينال حظه في العلم، هؤلاء الأطفال الذين كانت فرحتهم تكتمل عندما تتسخ ملابسهم بمياه الأمطار الموسمية، ويتلاعبون بهذا الوحل الذي يجعل من شوارع القرى مطبات وتضاريس.
نعم، هذه حياة أهل البندر وحيث أني كنت من المترددين دائمًا إلى شارع فؤاد بمنطقة وسط البلد؛ التي تمتلئ بالأفندية وأصحاب الكرافتات الشيك، نظرًا لما تحويه من مقرات قضائية ونيابية، يا ربي ما كل هذا الانبهار! محلات الملابس التي تكتظ بكل أنواع البرندات والموضة، كيف أحكي عن هذا عندما تنقضي إجازة آخر العام؟ وأعود إلى أصدقائي؛ الذين أكثر أمانيهم في طقم واحد يذهبون به إلى المدرسة، ويرتدونه في العيد عند الذهاب إلى المقابر؛ ليصعدوا الجبل الشرقي تلك كل أحلامهم، إذ سأمكث هنا في العيد، ولن أعود مع رفقاء الكفاح عندما ينقضي موسم البيع والشراء.
بأي حال عدت يا عيد المحروسة! ما هذه الزينة ومن هؤلاء الأشخاص أين يذهبون بكل هذه الألعاب وعن أي حدائق يتحدثون؟ فهذا يكلم أسرته قائلًا: سنذهب إلى حديقة الحيوان، يا تُرى؛ هل يقصد تلك الحديقة التي درسناها في الكتب المدرسية؟ هؤلاء يذهبون إليها هكذا بكل سهولة، وآخر يتكلم عن البرج، وذاك يخبر رفقته بأهرامات الجيزة وأبو الهول، وبين هذه الأقاويل يصاحبها همز ولمز، عن حديقة الفسطاط والأزهر والحسين، كل هذا ومازال أطفال الصعيد ينامون مبكرًا؛ حتي يلحقوا بزيارة المقابر والجبل الشرقي، سوف أعود لكي أروي لهم عن هذه الحكايات، حتي وإن كنت لم أزورها، ولكن استمتعت بالحديث عنها وسط هذه الزحمة، أثناء مشاهدتي الملاهي، تقول ملاهي! نعم، سوف أخبركم عنها في وقت آخر، دعوني أعود إلى المنزل فالعشاء قارب علي الأذان، نصلي وننام وسوف أخبركم أيضًا على سر خطير، فأهل المدينة يتناولون وجبة الغداء بعد المغرب؛ لأنهم يا أصدقائي لا ينامون!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى