مقالات

الدكتور هشام حنضل يكتب: التعليم والكتاب الجامعي بين الواقع والمأمول

لا يغيب عن كل ذي فكر أن المحاضرة لطلاب الجامعة يجب أن تختلف عن حصة لطلاب المدارس (التعليم قبل الجامعي)، فمحاضرة الجامعة هدفها إعطاء إطار عام عن موضوع ما من خلال مجموعة من الأفكار والأراء المترابطة والمتسلسلة، وعلى الطالب البحث في المصادر المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية لفهم تفاصيل تلك الأفكار، أقصد أن الطالب الجامعي يجب أن يشارك في العملية التعليمية بالبحث والتوصل للمعلومات بنفسه وهو ما يسمى التعلم، وبناء على ذلك يجب أن يكون من أهداف الاختبارات الجامعية قياس مدى إلمام الطالب بتلك التفاصيل وأيضا اختبار مختلف المهارات لديه فضلا عن قياس الفروق الفردية بين الطلاب، أما الحصة في المدارس فهي شرح مفصل لموضوع ما يتناول كافة تفاصيله مع إعطاء أمثلة لدعم الأفكار المكونة للموضوع وهو ما يسمى تعليم.

بناء على هذا الفرق يجب الأ يكون هناك كتابا واحدا للمقرر الجامعي وإنما محتوى يتضمن الموضوعات الرئيسة وربما الفرعية التي يجب أن يلم بها الطالب في المقرر المعني، ومن الممكن ان يقترح الاستاذ الجامعي بعض المصادر الهامة والرئيسة والرائدة في موضوعات المقرر.

وفي هذ السياق أحب دائما ذكر تجربتي حينما كنت طالبا للدكتوراة في بريطانيا ففي العام الاخير للدراسة تقدمت بطلب لتدريس الأجزاء العملية لمقرر الاقتصاد الجزئي وتم إختياري وزميلين أخرين أحدهما من بلد عربي شقيق والأخر من بريطانيا وفي نهاية الفصل الدراسي الأول تقابلت صدفة مع الزميل الإنجليزي وإذا به يبادرني بالسؤال عن ماذا فعلت مع الطلاب فقلت له كنت اشرح الموضوع تفصيليا ثم أقوم بحل مجموعة كبيرة من المسائل والأسئلة تغطي كل أفكارالموضوع، فتمتم بكلمات غير مفهومة فسألته وأنت ماذا فعلت قال كنت أحدد لهم أطار كل موضوع والمصادر التي يمكن الرجوع إليها لفهم تلك الأفكار وفقط، وأتذكر وقتها أنني تعجبت كثيرا وظننت أنه يفعل ذلك تكاسلا منه.

وفي بداية الفصل الدراسي الثاني حضرت المحاضرة الأولى لنفس المقرر وكانت مدتها ساعة واحدة، حيث دخل المحاضر القاعة وقال صباح الخيراليوم كانت تجلس بجواري في القطار فتاة عشرينية ولمحت كتاب الاقتصاد معي فسألتني أليس الاقتصاد مادة صعبة الاستيعاب؟ فقلت لها بالعكس فإنها مادة حياة يحتاجها كل فرد، فنحن نتخذ خلال حياتنا اليومية عشرات القرارات الاقتصداية دون ان نسميها بمصطلحاتها العلمية، فالاقتصاد هو …. وبدأ في شرح مختصر لمفهوم الاقتصاد ثم بدأ ينتقل من موضوع لأخر وخلال الساعة المخصصة للمحاضرة قام بالتعرض للأفكار الرئيسة لأربع موضوعات نقوم نحن في بلدنا لفرد أربع محاضرات مدة كل منها ساعتين لشرحها. هنا أدركت الفرق بين التعليم والتعلم (teaching and learning

أما الواقع المر في جامعاتنا هو أن أستاذ المقرر الجامعي يفرض كتابا محددا على الطلاب وعليهم الإلتزام التام بما جاء فيه ولا شك أن ذلك يحصر فهم واستيعاب الطلاب على ما جاء في هذا الكتاب ومن المعروف في العموم تحصيل الطلاب لا يتعدي 50% مما يرىسه له الاستاذ ولك عزيزي القارئ ان تدرك المأساة الحقيقية الناجمة عن فرض كتاب واحد للمقرر وأن تلقي الطلاب لا يتعدي تلك النسبة، فضلا عن فقدان الطلاب القدرة على المناقشة والحوار وذلك ببساطة لأن معلوماتهم مقصورة على الأفكار المتضمنة في الكتاب المقرر وإن تعارضت مع أفكارهم.    

ثم تأتي الإمتحانات لتقيس بعض المهارات والقدرات وبعض الفروق الفردية بين الطلاب مما يزيد من المشكلة وفي كثير من الاحيان تتكرر الاسئلة والامتحانات ويقوم الطلاب بحفظ الاسئلة دون فهم لها، فضلا عن أن بعض الكليات تتبع اسلوب أسئلة الإختيار المتعدد بشكل يخل بجودتها وقدرتها على قياس مختلف جوانب المهارات والقدرات لدى الطلاب.

وقبل الحكم النهائي على التعليم الجامعي علينا ان ننظر إلى مدخلات التعليم الجامعي، حيث يلتحق بالجامعة طلاب غالبيتهم غير مؤهل للدراسة والفهم والاستيعاب والمناقشة فهم قد جبلوا على حفظ المعلومات واستخدامها كما هي فإن حدث أي تحوير او تضمن السؤال فكرة جديدة اشتكوا أن الامتحان جاء من خارج المنهج وان واضع الامتحان يتحدى الطلاب بل ويرغب في ىسوبهم في المادة. في ظل هذا المناخ المريض كيف يمكن تبني سياسة تعليمية جامعية حقيقية تسمو بأفكار الخريج وتجعله جاهزا لسوق عمل يتسم بالمنافسة الكبيرة ليس فقد بين خريجي الجامعات المحلية بل والدولية أيضا.

الأمر جد خطير ولكن دعنا نجيب على بعض الأسئلة كمرشد للجميع الاول: هل الفجوة بين الواقع والمأمول في التعليم الجامعي كبيرة؟ الاجابة نعم إنها لكبيرة. الثاني: هل من الممكن تغيير الواقع ليقترب او يكون مامولا؟ الإجابة صعب ولكنه ليس مستحيلا. الثالث والأهم: هل من الممكن التركيز على التعليم الجامعي فقط لسد الفجوة بين الواقع والمأمول؟ الإجابة - قولا واحدا- لا فالإصلاح لابد أن يبدأ من التعليم قبل الجامعي، فإذا كانت المدخلات غير جيدة وبهذا المستوي شديد التدني فلابد أن يكون الخريج كما نراه في سوق العمل الحالي، ولعلي من هنا اناشد المسئولين بضرورة وجود هيئة قومية يرأسها مسئول بدرجة وزير تتولى التنسيق بين التعليم قبل الجامعي والتعليم الجامعي أي بين الوزارتين التربية والتعليم والتعليم العالي.  

التعليم بصفة عامة موضوع متشابك ومرتبط مع العديد من الموضوعات الأخرى فمقال واحد غير كاف لتناوله بكل أبعاده ولربما نعود لتناول تلك الأبعاد في المستقبل إن كان في العمر بقية.

أ.د. هشام حنضل عبدالباقي الجعبيري

أستاذالاقتصاد – كلية التجارة – جامعة المنصورة

Email: [email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى