أن تكون صالحا في عقول الفاسدين

وليد ناجي يكتب:

0

كعادتي في زياراتي للصعيد أحب الذهاب للمناطق الزراعية سواء كانت حدائق أو مزارع متنوعة أشعر فيها بالراحة بعيدا عن صخب المدينة وازدحامها أعقم من خضرتها عيني بعد أن غطتها عوادم السيارات وغبار الطرق والمباني الجامدة في المدينة، وبحكم عمل “أبويا” كمهندس زراعي كنت أتوجه لزيارات لمزارع مختلفة من بينها مزرعة المحترم الحاج نصار في قرية مجاورة لنا، إذ أقضى ساعة أو اثنين مع احتساء كوب شاي وسط هدوء  أكاد أحسده عليه “أدامها الله عليه نعمة”.

في إحدي زياراتي استوقفني الحديث مع أحد الأشخاص “لا أتذكر اسمه حاليا” بمجرد أن علم أني ابن الباشمهندس ناجي بادر بالأحضان قائلا: “ابوك محترم وإيده نضيفة والناس هنا بتحبه”، كلمات لم أعيها واعتبرتها مجاملة ليس لأن والدي عكس ذلك ولكن اعتبرتها توددا لي في محاولة لكسب تعاطف ما وقضاء مصلحة له إذ أن “أبويا” يعمل حاليا مديرا للجمعية الزراعية.

قبل تلك السنوات الأخيرة وقبل تولي أبويا منصب مدير الجمعية كان ينعم بحياة هادئة يقضي عمله الذي يحبه دائما ويعود للمنزل للراحة ساعة مثلا ويخرج بعدها لملاقاة الأصدقاء والأحبة من أهالي القرية فكان دائم التواصل وحريص على مد التواصل مع باقي الأصدقاء حتى أنه كان دائم الود لأصدقاء جدي رحمة الله عليه.

بعد تولي أبويا منصب مدير الجمعية الزراعية انقلب حاله رأسا على عقب فكان دائم المشاجرة في الهاتف مع أشخاص يدعون أنهم من فاعلي الخير، أشفقت عليه مرات عديدة على عصبيته التي تكاد أن تأكل صحته واستفسرت منه عن أسبابها فجاء بالرد بأن بعض الأهالي بقرية التتالية من أصحاب النفوس المريضة والتي يعمل بها مديرا للجمعية الزراعية يقدمون شكاوى في بعضهم البعض بسبب خلافات كثيرة.

لم أفهم معنى الحديث وكان سؤالي وما علاقتك بتلك الخلافات كان الرد أن فاعل الخير الذي أنهى معه الحديث حاليا عبر الهاتف ذكر اسم شخص يهم ببناء غرفة على أراضي زراعية، بادرته بالسؤال وهل تعمل فاعل الخير هذا قال لا، العجيب أن فاعل الخير من القرية ذكر لأبويا تفاصيل الطوب وتفاصيل الجرار الزراعي الذي نقله للأراضي بل أنه تابع حتى خرج الجرار من الأرض وذكر تفصيلة بأنه تعطل على بداية الطريق وكيف أصلح عجلاته.

التفاصيل الكثيرة في المكالمة أثارت فضولي ودفعتني للخوض في مهام والدي وسألته دور الجمعية هنا إيه؟ أجاب بأن هناك قسما في الجمعية اسمه حماية الأراضي يتولاه مشرف حوض، في حالة فاعل الخير عليه إبلاغ مشرف الحوض بالتفاصيل وعلى المشرف كتابة تقرير مفصل حول ما حدث على أرض الواقع ورفعه للجمعية وبعدها يتم اعتماده وإذا صح كلام فاعل الخير يتم تحرير محضر لصاحب الأرض بأنه قد تعدى على أراضي زراعية ويحال للجهات المختصة لاتخاذ اللازم وتطبيق القانون.

داعبة أبويا في لحظتها قائلا: ولو عملت نفسك من بنها ومعملتش محضر، أجاب بأن أهالي قرية التتاليةوخاصة فاعلي الخير منهم على دراية كاملة بتقديم الشكاوى وأن المكالمة التالية بعد مكالمة فاعل الخير هو استدعاء للنيابة الإدارية للتحقيق معه لأنه قصر في آداء وظيفته ولم يحرر المحضر إذ أن فاعل الخير سيكمل معروفه بشكوى للنيابة أو للجهة الأعلى من الجمعية.

توالت الأيام وبدأت أجد اتصالات تأتي إلي من أهالي القرية من المعارف للتوسط عن أبويا بعدم تحرير محاضر لهم وكنت من ناحية الود اتواصل معه في محاولة لإثناءه عن تحرير المحضر إلا أنه كان يرد يا محضر يا أنا اتحبس، أشفقت على أبويا من تلك المهمة الثقيلة فهو ما بين مقصلتين إما أن يحرر محضرا للمخالف للقانون وإما أن يقصر في أداء عمله ويتعرض للحبس أو للتحقيق من الجهات المختصة.

طوال الفترات الماضية لم يتوان أبويا عن آداء عمله كان لا يكل ولا يمل دائم البحث عن الجديد ووظف مواقع التواصل الاجتماعي وصفحته الشخصية لموضوعات زراعية لتوجيه الأهالي كان يسعى دائما على الوصول لما هو جديد في الزراعة وطرحه على الأهالي بدون مقابل، أجتهد في مشروع الجايكا وهو مشروع مشترك بين مصر واليابان وحصل على مركز متقدم على مستوى الجمهورية كأفضل جمعية زراعية، قابلت رؤساءه أكثر من مرة وهاتفتهم من بينهم المهندس مصطفى صالح مدير الإدارة الزراعية بمركز القوصية والمهندس إبراهيم سرور وكيل الوزراة بمحافظة أسيوط دائما ما يذكر اسمه تذكر الصفات الحميدة الاجتهاد في العمل والتفاني واليد النظيفة وتطبيق القانون حتى لو على أقرب الناس إليه.

هذا الموظف الذي قضي أكثر من 25 عاما في مهنته متفانيا في آداء عمله علمت بالمصادفة اليوم أنه متهم من أحد مخالفي القانون والمتعديين على الأراضي الزراعية بأنه رجل مرتشي طلب منه رشوة مقابل عدم تحرير محضر له، بل أنه اتهمه بمجموعة اتهامات أخرى من بينها إتلاف أرضه الزراعية وكأن أبويا قد بنى لنفسه منزلا عليها.

المخالف للقانون عطل حملة لإزالة مبنى له على أرض زراعية وتعدى لفظيا على أبويا أمام مرآي ومسمع من منفذي الحملة ومن قيادات الإدارة الزراعية وبعد التوسط من بعض الأهالي والاعتذار لأبويا وطلب مدير الإدارة من أبويا عدم إعطاء المخالف أي اهتمام قدم شكواه وكانت النتيجة أن أبويا حاليا أثناء كتابة تلك السطور يستمع لأقواله أمام النيابة العامة في تهمة طلب رشوة وإتلاف أراضي زراعية.

لا أشعر بالخوف على أبويا فأن أعلم تمام العلم وبأعلى درجات اليقين أن من علمني الحياة وشاهدت مبادئه أمام عيني على مر السنين لا يمكن أن يمد يده ويعرض سمعته لمثل تلك الأفعال وأثق في قيادات الزراعة بالوقوف وراء موظفها المثالي بشهادات الجميع فهذا هو حقه عليهم، وأثق في قيادات الداخلية في تنفيذ القانون على المخالفين كما أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي، كما أثق في النيابة العامة في إعادة الحق لأصله، ولكن بداخلي غضب وكتلة جمر تحرق أجزائي وتتسائل هل يستحق هذا الرجل أن يجلس اليوم أمام النيابة العامة بتلك التهمة ومن مخالف واضح وصريح للقانون، هل يستحق من طبق القانون وراعى ضميره في عمله أن يكون متهما وأن يصبح المخالف والمتعدي على الأراضي شاكيا مجني عليه؟.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.