حنان صلاح تكتب: قبل «الطوفان»

0

أتذكر أنني سمعت أكثر من مرة مثل شعبي قديم يقول: «إن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك»، وحسب ما فهمته عن هذا المثل أن في وقت الأزمة الأب يجعل من ابنه قنطرة للهروب من الطوفان فهوالسبيل الوحيد للنجاة، استنكرت هذا المثل لأنني لا أمن أن هناك أب أو أم يُفضل أياً منهما ذاته علي ابنه، إنها الفطرة التي خصصها الله في قلب كليهما لا يوجد جدال في ذلك، ومن ثَم أدركت أن بعض الأمثال كاذبة ومُضللة، ولكن شتان ما تغير الحال بعدما تحولت هذه الفطرة إلى طفرة فظه، وأصبح هذا المثل مشهدًا يتكرر حرفيًا، حقيقة نراها تتجسد يوميا في واقعنا المخيف.

لمْ يعد البقاء للأقوي، ولا البقاء للأصلح البقاء للمفسد، للمذنب، لمن يريد أن يكون علي حياة غيره وإن كان منهُ ويحمل أسمه، لمن لا يفرق بين نبته أخرجها الله منهُ، وهو مسئول عنها وبين عدو يهاجمه، ما نراه اليوم من الشر والقسوة والغلظة تقف عنده العقول والقلوب فلا يوجد هناك تفسير ولا توجد كلمات تصف شعور أننا اصبحنا محاطون بشئ مجهول، كل ما أعلمه انه يتحرك حول كل مِنا ولكن ما هو؟.. وماذا يكون ؟.. لا أعلم شئ ولا أملك شيئا سوي التطلع إلى صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية التي تنقل لنا عبر الشاشات أفلام الرعب التي لا نستطيع تخيلها ولا التفكير بكواليسها، ولكن مع تكرارها إعتدنا عليها وكأنها التحديث الجديد لثقافتنا.

الحياة الانسانية لا يوجد لها قانون كقانون الغابة الذي تضعه الحيوانات، الإنسانية كلمة غابت وغاب مضمونها عن الجميع، الأغلبية يتحرك علي الأرض بشكل إنسان وبروح وعقل شيطاني، لا يقدس الحياه ولا يقدس ما قدسه الله وميزه، الروح أياً كانت حرم الله زهقها بالك من قطعه منك كانت أمك، بنتك، ابنك، زوجتك.

هذه الفترة من أسوء الفترات التي نعاصرها، فلم يعُد الأب الأمان والحماية لإبنته وعَرضهُ فقد أصبح المغتصب، كما حدث بالفعل ورأينا علي أرض الواقع أب وأبنه يغتصب ابنته، مدهش أننا نسمع هذا ونكتبه وكأنه روايه خياليه لا تمد للواقع بصله، ليس هذا فقط فهناك مشهد آخر يعلمنا كيف يتخلص الزوج من زوجته أثناء نومها بالخنق، ومشاهد أخرى لا حصر لها فالطوفان ممتد لاغرب مما تتوقع وتتخيل وتصدق أنه حقيقه.

أيضآ لم تعُد الأم البيت الحنون الذي لا يعرف غيره الأطفال، فهناك أمهات اعاذك الله من غلظة قلوبهم، فالبعض منهم يشبه “غوله” تطارد أطفالها وتخطف أرواحهم وتلقي بهم في الهلاك، فلا يغيب من عقلي مشهد الأم التي تلقي بأطفالها في النهر، ولم يبقي الإبن قرة عين لأمه، ولا يعلم عن البر ولا الرحمة مثقال ذرة، فهناك مشهد مؤلم من رواية الطوفان عن شخصا يرتب لوالدته حفل تعذيب مبدع بالزيت المغلي، لا تظن انها أُكذوبه والخيال تعدي حدوده إنها الحقيقة المؤلمة، في نفس الوقت الذي يقف فيه البعض منا في صلواته كثيرآ ليدعو الله أن يبارك في عمر أمه، أحد شياطين الأنس يغلي جسد من حملته في رحمها بالزيت ودعت الله أن يحفظه لها .

 

عالم مُخيف تظن فيه أنك سقطت في عالم الأشباح، فالأمومة أصبحت لعبة عند البعض، فالقطة لم تعد تأكل أطفالها خوفاً عليهم، ولكن أصبحت تأكلهم لتسد جوعها وتنعم بحياتها، والجميع لديه مبرر لفعلته ويري أنه الضحية، المجني عليه وليس الجاني، الروح تُزهق فقط من أجل بضعة جنيهات، من أجل كلمة تخرج علي غير مراد سامعها، من أجل أن تنتصر علي خصمك حتي ولو كان الضحية منك، لنا الله في عالم فقدنا فيه انسانيتنا وأماننا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.