محمد كامل العيادي يكتب: لماذا غابت الأمة؟! وكيف تعود للحياة قبل فوات الأوان

0

إنَّ حالةَ التّردي الحضاريّ التي وصلتْ إليهِ الأُمَّةُ وبقاءَها في ذيلِ الأممِ في النّموِّ والتَّطورِ الاقْتِصَادِيّ والتِّقَنِيّ يَجْعَلُ كلَّ شخصٍ يَفْخَرُ بِأمَّتِهِ يشعرُ بالألمِ والأسَى ويُفكِّرُ في سبيلِ للخُرُوجِ، ولكنْ لنْ يَتمَّ ذلكَ إلا بالجُهْدِ الجماعيّ، وهذا قد يكونُ غيرَ متوافِر، لذا نبقى في نفسِ النُّقطة، يُقْعِدُنا العجزُ. كلما تذكَّرتُ وتأمَّلْتُ هَذِهِ الحَالةَ سئِمْتُ وأصَابني الغثيانُ وألْقَيْتُ قَلمِي على تلكَ الطاولةِ التي تحمَّلَتْنِي كَثيرا من تَكْرَارِ هذا السُّلوكِ؛ أدْرَكْتُ بأنَّني قدْ أتَّهَمُ بأنَّنِي مُبَالِغٌ فيمَا أكْتُب ويائِسٌ فاقدُ الأملِ.

إنني أظنُّ أنّ الحقيقة صارت واضحة أمام أعين الجميع وفي أذهانهم، ولكن هناك من يحاول الهروب منها. وهنا أسأل صاحبَ الأملِ والرؤيةِ المتفائِلة: ما هيَ رؤيتك للأمة؟ وما هو الذي أنْجَزَتْهُ وأفَادَت بهِ نفْسَها؟ ما الذي قدَّمته الأمةُ حتى يُولدَ لدينا الأملُ؟ هل يوجدُ لدى الأمةِ ثقافةٌ تَجْعَلُهَا تسيرُ بمحاذاةِ الأمَم المتقدمة؟ هل لدينا قدرة على تحديد مسارِنا في ميادينِ الحياةِ المتعددة؟ هل الأمةُ العربيةُ فِعلاً تتمتَّعُ باسْتِقْلالِها وذاتُ سيادةٍ؟ أمْ ما زالت تقبعُ تحتَ الاحتلال؟ هل شعوبُ الأمةِ لديها القدرةُ على تغييرِ حالِها واثباتِ نفسِها، أمْ تقوقعتْ داخلَ الاستكانةِ والرِّضَا بما يحدث؟ هل لو أبيدتْ الأمةُ عن بكرة أبيها سيتأثر العالمُ بذلك؟ لماذا تقدَّمَ الآخرون وتخلّفتْ أمَّتُنا العربية؟

إنّ حال الأمة جدير بالدراسة المتعمقة والمتأنية حتى يتسنى لنا فهمها، ونحلل ما يحدث لها ونقف على أسبابِ الحروبِ والدَّمار والتخبطِ الفكريّ السائدِ فيها. ليس للتشاؤم ولا لليأس مكانٌ في قلوبنا، ولو فكر الجميع بعقلانية متزنة لحللنا مشاكلنا وسُدنا العالم، ولكن بسبب التفكير السلبي والرؤية الضبابية واعتقاداتنا الخاطئة أننا أفضل الأمم، تأخرنا كثيراً، وسيزيد تقهقرنا للخلف، رغم تقدم الأمم الأخرى في جميع مناحي الحياة بمختلف تخصصاتها، وأهم هذه التخصصات البحث العلمي الذي لا نهتم به كثيراً، مُقارنة بالأمم الأخرى التي توليها رعاية عظيمة.

إن بقاء الأمة العربية بهذا الحال الذي لا يرعى البحث العلمي يجعلها عالة على العالم المتقدم، وبقاؤها مجرد أمة مُستهلكة وليس أمة مُنتجة هو مصيبة كبرى، والدول المنتجة تنظر إلى أمتنا باعتبارها سوقاً لمنتجاتها، فالأمة تستورد السلاح ليس لمقاتلة العدو بل تستورده لمحاربة بعضها بعضاً، وحرق مقدراتها، وتفتيت قوتها، وهلك اقتصادها، وهكذا تبقى الأمة متشرذمة مُنهكة، يُصيبها الإعياء والمرض الشديد، وها هو ذا مستوى معيشة الفرد لأدنى مستوياته مع أن الأمة العربية تمتلك من الثروات الطبيعية ما يكفي لو استثمر بصورة صحيحة أن يعيش الناس في رفاهية وخير. ولكنها ما عملت على استثمارها ولا ادارتها بشكل سليم.

الأمر ليس مستحيلاً، ونموذج اليابان خير دليل على إمكانيته، فالبرغم من مرورها بأعتى الحرب التي دمرت معظم مقدراتها؛ أعادت بناء ذاتها بتحقيق تقدمها العلمي والتقني والاقتصادي، بالإرادة القومية الواعية، والسياسات العلمية والتقنية المحددة، وقامت بتوفير المناخ السياسي المستقر، وأصدرت تشريعات أسهمت في تحقيق نهضتها، وركزت على إعداد القوى البشرية من علماء وتقنيين، بالإضافة إلى العمالة الماهرة المدربة، وإدارة قوية قادرة، مع توفير العامل المادي اللازم لتنفيذ أي مشروع تقدمي، وعملت على نقل التقنيات الغربية إلى اليابان وطورتها ووطنتها وأعادت تصديرها للسوق العالمية.

وهذا مثال آخر، ففي بداية الستينيات وعند انقسام الكوريتين، وضعت كوريا الجنوبية برنامجاً للتنمية مؤسساً على التقنية الحديثة، استطاعت به تحقيق زيادة في معدل التنمية السنوي 10%، كما استطاعت رفع صادراتها من 100 مليون دولار أوائل الستينيات إلى 600 مليار دولار عام 2019م، وكذلك الهند بعد حصولها على استقلالها عام 1947م، قامت بوضع برنامج للتنمية الاقتصادية قائم على التصنيع، بهدف سد احتياج السوق المحلي فقط، وعندما واجهت منافسة شديدة من التقنيات المتقدمة الوافدة؛ انفتحت على العالم الخارجي ونقلت التقنيات الأجنبية بدلا من التركيز على التقنيات المحلية، وهو ما صنع طفرة في تطوير الصناعة وتوفير البنية الأساسية اللازمة لها، فتوافرت الخبرات العلمية والتقنية، ومراكز البحوث والتدريب، وحققت الهند بذلك تقدماً ملحوظاً في صناعة السيارات والطائرات والأسلحة التقليدية والذرية المتطورة، بالرغم من الزيادة السكانية الرهيبة.

وهذا غيض من فيض، ولكنكم تعرفون كما أعرف أن الأمة لا تزال غارقة في نومها، وقد اختارت التبعية بدلاً من السيادة، واعتمدت على الأخذ بدلاً من الإنتاج والعطاء، بالرغم من امتلاكها موارد عظيمة كالمياه والأرض الخصبة والأيدي العاملة والبترول والمعادن، ولكنها لا تستغل مواردها وتقوم باستيراد نحو نصف احتياجاته الغذائية، ويعيش الأكثرية فيها دون حد الكفاف، مع الجوع والفقر والجفاف والأمراض الفتاكة. فكيف تتقدم أمة وقيمة وارداتها يقارب الـ 40% من إجمالي واردات العالم من السلاح،

هذه هي العراق، وسوريا، وليبيا، والصومال، واليمن، ولبنان، والكثير من بلاد الأمة التي تعاني وتقاوم تلك المعاناة، كيف لأمة أن تفيق وفيها يزداد معدلات الجريمة، وانتشار إدمان المخدرات، وتفكك الأسر، وزيادة الإصابة بالأزمات النفسية، والانهيار العصبي، والأمراض المستعصية.

لقد كان لهذه الأمة مكانة عالية راقية، ضاعت بفسادنا وتهاوننا في حق أنفسنا وفي حقها، وسنبقى هكذا ولن نخرج من هذا النفق المظلم حتى نعرف قدرنا جيداً ونقضي على فساد أنفسنا، ونبدأ في العمل لتحقيق رسالتنا الإنسانية وعمارة الأرض ونشر الخير. لا بد أن تستفيق الأمة قبل أن تن تهي وتندثر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.