“بيكا وبكار”.. رمضان بين زمانهم وزماننا

0

كتب: عماد نصير

تفرد شهر رمضان بالتعظيم، ودائماً ما نقول ويقال عنه أن له سحر ومذاق خاص في مصر، فهو يتمتع بسِحرٌ يكسو الشوارع والبيوت والأنفس في آن واحد، فضلاً عن فيض روحانياته التي تملأ قلب المُسلم، ونسائمه التي تَهُب مع نفحاتِ أيامه المُباركة.

لم يقتصر الأمر على العبادات وما يتصل بها من روحانيات اختص بها الشهر المبارك، بل وصل الأمر إلى عديد الأطعمة والمشروبات وأنواع الزينة والسلوك الفردي والجماعي، فهؤلاء يصنّعون الفوانيس الورقية، أو يعلقونها في الشارع أو شرفات البيوت، وأولئك يتفننون في تركيب الزينة و فروع الأنوار، وغيرهم قد انهمكوا في إعداد قوائم للعزومات والهدايا وتبادل الأطباق اليومية مع الجيران، وعلى مقربة من نواصي الشوارع بدأ البعض في إنشاء الأفران الصغيرة ذات الشكل المعروف، والتي تقوم على إنتاج الكنافة والقطايف البلدي.

الشارع يحتفي برمضان:

حراك يومي في الشارع، وعمل أشبه ما يكون بالجماعي، فالكل تقريباً يدور في فلك الشهر الفضيل، بائعاً أو مشترٍ، منتجاً ومستهلكاً، مقدم خدمة ومتلقٍ، حراك كان يكسوه رمضان بنوع من الود والألفة على مدار اليوم، إلى أن يبدأ قرآن المغرب فترى حرك جديد، هؤلاء تجمعوا لإفطار جماعي في بيت فلان، وأولئك يجهزون عبوات من العصائر وبعض من التمرات في أكياس صغيرة، توزع “إجباراً” على السائرين في الشارع قبيل الأذان كنوع من أنواع الضيافة والتقرب إلى الله، وصِبية يتراقصون في الشارع يرددون الأغاني والأهازيج التي اقترنت في الذاكرة الشعبية بشهر رمضان، وكثير من الصور الاجتماعية التي غابت وغاب ذكرها، واندثرت تحت جبال المدنية أوصافها وجمالياتها، التي كانت تقترن برمضان وتضفي عليه ألق الإرث والتراث الذي تفردت به مصرنا.

مظاهر كانت تُشبع في النفس الألفة والغبطة بقدوم الشهر الكريم، غابت بفعل فاعل، طغت عليها ملامح التكنولوجيا، أذهب جمالها بريق الفضائيات، وانتزع منها رونقها عالم افتراضي كامن في الهواتف المتحركة والأجهزة اللوحية.

وكأني بالكثيرين من أبناء هذا الجيل، الذين تربوا على غث الظواهر الاجتماعية، وغياب الموروث القيمي المرتبط بتعظيم شهر رمضان وقيمه التي يدعونا لها ديننا الحنيف، لا يكادون يستسيغوا بعض مما يقال عن مظاهر وظواهر اختفت وأصبحت أثراً بعد عين، أمور لو عاصروها لأثمرت في أنفسهم نخوة وكرماً، ولغرست في قلوبهم حب الآخر والمشاركة المجتمعية وحضن الأسرة، سواء أسرته الصغيرة في بيته، أو الأسرة الكبيرة التي تشاركه العقار الذي يقطنه أو الشارع الذي ينتمي إليه ولسكانه.

رمضان وقيم الأسرة:

هناك من الفوارق التي تجعل من معايشتنا لشهر “رمضان زمان” ورمضان سنواتنا هذه الكثير، وليس عيباً في رمضان، بل العيب فينا، فنحن من استبدل الغث بالسمين، ونحن من أطلق للمدنية العنان حتى استحوذت علينا فلم نعد نحن من يملكها، بل باتت هي تملكنا وتتحكم في سلوكنا، فبات شكلنا نحن في رمضان مختلف عن ذي قبل، وليس العيب في رمضان بل العيب في سلوكنا المتردي فبتنا على ما نحن عليه.

نحن من غيّب بقصد أو بدونه دور الأسرة وما تعنيه ليستقيم الأفراد، ونحن من تجاهل التقارب بين الجيران وزملاء العمل بحجة أن “الدنيا تلاهي” وأن البعيد محبوب عن غيره، فلم نعد نتقارب أو نتزاور كما في السابق ولو في رمضان، فتجد الشاب لا يعرف أبناء عمومته إلا في عرس أو مأتم أو خطب جلل تتجمع فيه العائلة مضطرة.

صلة الرحم في “جروبات”:

نحن من فرط في “قدسية” الأسرة، وضرورة التجمع للإفطار في رمضان، وبات أفراد البيت الواحد لا يكترثون بمن يجلس على مائدة الإفطار غياباً وحضوراً، واستبدل أغلبنا أسرته “البيولوجية” بأسر افتراضية، فهناك “جروب” لزملاء العمل على فيس بوك، وآخر لبعض من المقبولين من الأقارب على واتساب، في مقابل معارف وأسرة بالمئات والآلاف على تيك توك وتويتر وغيرهما، ولربما منح البعض لهؤلاء ما لم يمنحه من ود ومحبة لأفراد أسرته، وهذا الأمر ليس وليد اللحظة ولا السنة ولا العقد، بل أمر بدأت بذرته منذ بداية الألفية وما استحضرته من تطور غير مسبوق في عمر البشرية، وتبعاته غير الملحوقة من القفزات التكنولوجية، التي جعلت من الفرد مجرد ترس في آلة تجتاح الشعوب ولا تبقي ولا تزر من القيم المجتمعية المتوارثة.

نحن من انساق بلا وعي وراء زخم ظاهره التقدم والعصرية، وباطنه التردي والرجعية، فلم تعد طاحونة الميديا ولا سُعار التكنولوجيا ولا وباء السوشيال ميديا يترك قالباً على قالب من قيمنا وعاداتنا، لا سيما ما يتعلق منها على الأقل بالسمات الاجتماعية والمناسبات الدينية والسلوك الجمعي الذي على أساسه تصنف الشعوب.

نحن من ترك النشأ ينمو ويُنشّأ على قيم غيرنا، فلم نكترث بالسؤال عمن يسمعون لهم أو من يتابعون أو مع من يتحدثون في وسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أنهم لم يعودوا صغاراً وعليهم الانطلاق حتى لا يسبقهم أقرانهم معرفة ودراية، لم نعد نختر لهم رفاقهم، حيث لم يعد الأصحاب يقتصرون على أبناء الجيران أو الشارع الذي ينسكن فيه، بل بمجرد أن يفتحوا نوافذ “السوشيال ميديا” يطل عليهم رفاق من كل حدب وصوب من لغتهم ومن ألسُن أخرى، فبعدوا عنا وابتعدنا عنهم .

نحن من أهمل غرس قيم الأسرة في نفوس أبنائنا، فباتوا لا يكترثون لما حل بقريب أو فقده الأهل، حتى أصبحت الأسرة هي مجموعته التي ينتمي إليها في “جروب” أو صفحة أو متابعي فلان وفلانة، ومن هنا فالحديث عن الأسرة وما لها من حقوق وواجبات بات من صنوف الكوميديا السوداء عندهم، والأمر الذي ربما يصبح مدعاة للتهكم والسخرية منهم، فقد اختلفت القدوة الأسرية، وحلت محلها وجوه غير مألوفة تقدم من المحتوى ما يُلهم ذلك النشأ، لكنه إلهام أبعد ما يكون عن موروث القيم وتراث التنشئة القويمة، المبنية على استحضار ما للأشخاص من وقار وما للمناسبات الاجتماعية وعلى رأسها رمضان، من تعظيم وتوقير وإجلال.

“عمو” فؤاد و”حمو” بيكا:

بالإمكان أن تستعيد الأسرة مكانتها، متكئة ومعتمدة على العلة لتكون العلاج، فها هي وسائل التواصل الاجتماعي من الممكن أن نعيد تدوير مخرجاتها، وأن نصوغ من هذا الكيان قيماً ورسالات تربوية، تعيد للأسرة ما غاب عنها من رونق ومهابة، فلو كان “عمو فؤاد” قد غاب، فلنستحضر روح أعماله هو و “بكار” بشكل أكثر عصرية، لتواجه بيكا وكل بيكا على شاكلته، أم أن قيم “عمو” لا تقدر أن تواجه موجة “حمو” التي اجتاحت مجتمعنا.

بالإمكان أن نعالج الداء بالداء فنُجاري أبناءنا ونساير ركبهم، ونسوق إليهم من خلال مخرجات عالمهم ما يعيدهم إلى فناء الأسرة ومسلك المجتمع، على الأقل نستوعب الجيل القادم، بالإمكان ولم يفُت الأوان على أن نستقطبهم إلى انتهاج ما تربينا عليه من مبادئ وسلوك قويم، فنحن وإياهم أصبحنا سواء في امتلاك الأدوات العصرية.

 لعلنا لو بدأنا هذه الأيام المباركة في محاولة تدارك أبناءنا، لمن الله علينا بذلك كوننا أخذنا بأسباب ذلك.

رمضان الذي اشتهر بنُصرة الله للمسلمين في معاركهم المصيرية، أحق أن نحارب فيه على جبهة تقويم الأسرة وإصلاح اعوجاجها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.