تقارير و تحقيقات

تعدد الزوجات بين الفهم الخاطئ والتفسير الخاطئ!!

كتب / عبد الحميد خليفة .

نعم مشكلتنا الكبرى قلة الفهم وسوء التفسير!!

فمنذ فجر التاريخ والمرأة أثمن ما حاز الرجال في حياتهم وبسببها تقاتل أبني آدم عليه السلام ، وارتكب بسببها أول جريمة في التاريخ .

لكن ما موقف الأديان السماوية من تعدد الزوجات ؟

الحكاية من أولها أن تعدد الزوجات كان معمولاً به منذ جاء الإنسان الأرض ، وكان بلا حد لعدد الزوجات . بدليل إن الرب لم يعاقب الأنبياء على التعدد ولم يستنكره منهم ، فلو راجعت حياة الرسل قبل الإسلام تجد التعدد سنة نبوية، فالعهد القديم يؤكد أن إبراهيم الخليل قد جمع ثلاث زوجات ” سارة وهاجر وقطورة ” أما يعقوب عليه السلام فقد تزوج باثنتين ، و داوود تزوج بتسع نسوة ، أما سيدنا سليمان كانت له سبعمائة زوجة وثلاثمائة جارية ، فالتعدد مشروع في التوراة من غير ضوابط ، أما المسيحية فقد حرمت التعدد رغم أنه لم يرد نص عن المسيح يبطل تشريع التوراة فالمسيح يقول: “ما جئت لنقض الناموس أو الأنبياء، بل لأكمل” ( متى 5/17) ،والغريب أن فرقة اللا ممعدانيين “الأنانا بابتيست” نادت بالتعدد فالقس الألماني فونستير (1531م) يقول: من يرد أن يكون مسيحياً حقيقياً فعليه أن يتزوج عدة زوجات. و نادت بالتعدد فرقة المورمون في مطلع القرن التاسع عشر، وكذلك في مصر الفرعونية عدد كثير من الملوك أشهرهم رمسيس الثاني فكان له ثماني زوجات وعشرات المحظيات و الجواري ، وأنجب أكثر من مائة وخمسين ولدا وبنتا .. وأسماء زوجاته ومحظياته منقوش على جدران المعابد حتى اليوم، والطريف أن تعدد الزوجات في أوربة كان منتشرا قديما في الشعوب ذات الأصل ( السلافى ) الروس والصرب والتشيك والسلوفاك ، وثابت تاريخيا أن ملوك النصارى تزوجوا بأكثر من واحدة ، ف (ديار مات) ملك إيرلندة كان له زوجتان وسريتان ، وكان (لشارلمان) زوجتان وكثير من السراري . وبعد ذلك بزمن كان (فيليب أوفاهيس) و(فريديريك وليام) الثاني البروسي يبرمان عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين: وكذلك أنتشر التعدد بين شعوب وقبائل أخرى لا تدين بالإسلام .. ومنها الشعوب الوثنية في أفريقيا والهند والصين واليابان ومناطق أخرى في جنوب شرق آسيا

ثم جاء الإسلام والعرب تحتقر المرأة إما بوأدها صغيرة خوفا من أن تجلب له العار كبيرة ، أو ضرة لعشرات من النساء في عصمته بلا حد أقصى للزوجات ، أو بغي يحرضها سيدها على الدعارة ويقبض الثمن ،فنظم هذه الفوضى فقيد التعدد بأربع زوجات وأنقذ المرأة من الموت والزنى ، وحرم الجمع بين المرأة ومحارمها كأختها وخالتها في عصمته ، وقد أمتثل الصحابة لذلك وسرحوا من زدن عن أربع، فقد أسلم غيلان بن سلمة الثقفي، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي «اختر منهن أربعاً»

ولكن لماذا نعدد ألا تكفي زوجة واحدة ؟

قبل البحث في علة التعدد أو الاكتفاء بواحدة ، أذكرك بقول الكاتب الإيرلندي “برناردشو” أن إباحة تعدد الزوجات هو العلاج الأمثل لمشاكل الغرب يقول: “إن أوروبا لو أخذت بهذا النظام لوفرت على شعوبها كثيراً من أسباب الانحلال والسقوط الخلقي والتفكك العائلي”. ذلك أن أوروبا عانت من نقص شديد في عدد الرجال نتيجة للحربين العالميتين التي قتل فيهما أكثر من 48 مليون رجلا، مما أدى لانتشار الفواحش والزنا فزاد عدد اللقطاء. ، ولا أدل على الخراب الذي يدفعوننا إليه من اعتراف أحد السياسيين البارزين بقولها :من منا لم يعتدي عليه جنسيا أو تغتصب؟ حتي بلغ قول إحداهن إنها بعد اغتصابها وهي سيدة من علية القوم. إن النظام يغتصبها. ويغتصب النساء. كل يوم ولهذا سن قوانين تبيح المثلية والشذوذ والسحاق واللواط . واحتفاء هليود بهذا محاولة للتصالح مع الذات والفاحشة لأن التطهر والطهر أصبح عسير عليهم.

وتبدأ القصة مع دخول العلمانية الوطن العربي على يد أتاتورك 1922لهدم النظام الإسلامي فألغى الخلافة الإسلامية ، وحارب تعدد الزوجات، كما منع نظام الإرث وأعلن المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث ، والغريب أن دعوته لاقت رواجا ، فتابعه الشيخ محمد عبده وحرم التعدد بحجة أن ظاهر آية { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ }[ النساء: 129 ] يوجب الاكتفاء بزوجة واحدة خوفا من الظلم !

وتناسى أن المراد بالعدل في الآية هو العدل في الأمور المادية المحسوسة كالمسكن والملبس والطعام والشراب والمبيت والمعاملة. أما العدل المستحيل الذي لا يستطيعه الرجل فهو العدل المعنوي في المحبة والميل القلبي، فليس معقولاً أن يبيح الله تعدد الزوجات { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء }[ النساء: 3 ] ثم يعلقه بشرط مستحيل لا يقدر الإنسان على فعله، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يمنع التعدد لمنعه مباشرة وبلفظ واحد، وفي آية واحدة ، ولا أدل من فعل الرسول الكريم فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من لا يتحرى العدل بينهن، فقال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان، يميل مع إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط) ، وكذلك من فعل الصحابة فقد جاء في صحيح البخاري “باب النكاح” أن سعيد بن جبير قال: سألني ابن عباس: هل تزوجت؟ فقلت: لا. قال: فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً .

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بإباحة تعدد الزوجات لأنه منسجم مع مجموعة تعاليمه و كذلك مع الطبيعة البشرية ، فحرم الله الزنا وشدد في عقابه ثم فتحت باباً مشروعاً وهو النكاح ، فمنع التعدد يفتح الباب للفواحش، خاصة وأن عدد النساء يفوق عدد الرجال بخاصة وقت الحروب ، فقصر الزواج على امرأة واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج وحرمانها ينتج سلبيات كبيرة من الضيق النفسي وبيع الأعراض وانتشار السفاح وضياع النسل ولك أن تتخيل أن أكثر من 60% من أطفال فرنسا أبناء سفاح ، وأن أكثر من 52% من أطفال أوربة لقطاء. وكذلك لأن استعداد الرجال للمعاشرة يختلف عن المرأة ، فالمرأة تتعطل فترات الحيض والنفاس فيحرم وطؤها ، وبذلك يتعطل الرجل معها وربما كان دافعا للزنا ، وكذلك التعدد يحقق مقصد أسمى يتمثل في حفظ النوع الإنساني كأن يتزوج امرأة عقيماً فإن لم يبح له أن يتزوج غيرها فقد تعطلت الوظيفة عن أداء غرضها وتعطل الغرض من الزواج وإذا كان ذلك كذلك فإن بقاءها معه والإذن له بالزواج من أخرى خير من طلاقها ليتزوج أخرى ابتغاء الولد . ثم إن قدرة الرجل على الإنجاب أوسع بكثير من قدرة المرأة ، فالرجل يستطيع الإنجاب إلى ما بعد الستين من العمر أما المرأة فيقف الإنجاب عندها في حدود الأربعين فلو حرم على الرجل الزيادة على الواحدة لتعطلت وظيفة النسل أكثر من نصف العمر .

لكن أليس لهذا التعدد من ضوابط أم أنه أمر غير قابل للنقاش ؟

والحق أن للمسلم أن يتزوج متى شاء ، ولكن يمكن أن نقرر أن تعدد الرجال مشروط بالاستطاعة المالية والصحية والنفسية .. فإذا انتفى شرط القدرة أو الاستطاعة فلا يجوز التعدد .وذلك بدهي، لأن من لا يستطيع الإنفاق على بيتين يجب عليه الاقتصار على واحدة . وزوج الاثنين عليه الاكتفاء بهما إذا لم يكن في استطاعته أن يعول زوجة ثالثة أو رابعة وهكذا .. ، وإذا كان الزوج عاجزا جنسيا مثلا فإنه لا يتصور السماح له بإمساك حتى ولو زوجة واحدة ، لأن في ذلك ظلما فادحا لها ..

لكن أقول لمن يرون أن التعدد لونا من البربرية والعبث بحرية وكرامة المرأة . إنكم أيها المتحذلقون تجنون على المرأة ، فيقرر علماء النفس أن حرمان المرأة من العواطف أشد خطورة من حرمانها الجنسي ، وعدم الزواج أو تأخيره يعرض المرأة لأمراض الثدي أكثر من المتزوجة ، وكذلك سرطان الرحم والأورام الليفية .. وقد سأل أحد الأطباء كثيرا من المترددات على عيادته : هل تفضلين عدم الزواج أم الاشتراك مع أخرى في زوج واحد ؟ وكانت إجابة الأغلبية الساحقة هي تفضيل الزواج من رجل متزوج بأخرى على العنوسة الكئيبة ، بل إن بعضهن فضلت أن تكون زوجة ثالثة أو رابعة على البقاء في أسر العنوسة .

بقيت كلمة لكل ذي عقل يرى. إن القرآن قد تحدث عن القواعد من النساء وهن اللاتي انقطع عنهن الحيض والرغبة في المعاشرة ، فهل يقبل الطبع السوي أن يقبر الرجل حيا مع امرأة زهدت متاع الحياة الدنيا ويعقد نفسيا وعاطفيا أم أن يعدد فيحقق حراك بناء للحياة والمجتمع ، إن أمتنا لن تهزم أبدا من خارجها مهما أشتدت الدعوات وعلت الصيحات لكنها أبدا مهزومة من داخلها بتخليها عن نهج ربها وتنكرها له ، ورحم الله القائل : نحن نعيش مع أقوام يعتقدون الغرب إله يرجونه ويخشونه وينذرون له وتدق قلوبهم وتتسارع وتبطئ نبضاته تبع لبرودة وسخونة كلماته التى لا تغادر الكذب قيد أنملة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى