في ذكرى وفاة “القبطي محفظ القرآن” بالمنيا.. سيرة عطرة وعرفان بالجميل من تلاميذه

0

كتب: دعاء علي – جمال زكي

المُعلم عياد شاكر العريف، رجل مسيحي فسر وقرأ ايات القرآن الكريم، لأبنائه وتلاميذه بقرية طهنا الجبل بمحافظة المنيا، ورباهم على أن الجميع سواسية لافرق بين مسلم ومسيحي، حول بيته الى كُتاب يتعلم فيه الجميع قراءة وتلاوة ايات الإنجيل والقرآن، ليس ذلك وحسب وإنما كان يُعلمهم اصول الرياضيات والعلوم واللغة العربية.

قال مقار ناجح عياد وهو أحد أحفاد العريف:” ما كان عندنا شيئ اسمه مسيحي ومسلم مثل أيامنا الأن، وهذا الكلام جديد علينا حاليا، بمشي في البلد وبقول بكل فخر انا حفيد عياد شاكر العريف، لأن جدي ربى اولاده على ان الدنيا كلها واحد ولا  فرق بين مسلم ولا مسيحي”، موضحا:” المسلمين أطلقوا لقب العريف على جدي، لأنه كان يُدرس جميع المواد الدراسية لأبناء القرية، بجانب تحفيظه وتعليمه القرآن الكريم والإنجيل للجميع”.

وأضاف مقار، ضاحكا “مفيش واحد في البلد ماضربش من جدي، تحضرني قصة عنه، عندما كنت اجلس معه في الحصص مع ابناء القرية، قال لتلميذ اقرأ علي الايات مما كنت احفظها لكم، فوقف الولد وكان مش حافظ، فضربه وطرده فجاء والده وقال لجدي اضربه مرة اخرى، فرد عليه جدي لا سأضربك انت المرة القادمة، لأنك لم تنتبه لأبنك وتركته يلعب”.

اشار، كنا نجتمع مع بعض كلنا امام إحدي المنازل في الشتاء، “كنا نوقد النار والمدافئ، “وكل واحد يجيب حاجة من بيته، اللي يجيب الشاي واللي يجيب السكر، محدش يقول من بيت مين”، كل البيوت واحد مفيش فرق بين مسيحي ومسلم، وهكذا علمنا العريف ورسخ لدينا فكرة التأخي والتعاون والحب بين الناس، وترك لقرية طهنا الجبل ميراث شرف، وان الدين لله لأن نصوص الاديان واحدة ولا تُفرق بين الاشخاص ولا يتميز انسان عن غيره لدينه، فالجميع سواسية.

والده علمه حفظ القرآن وكان يشتري الجزء للتلاميذ ببقرشين  

عمدة القرية:  المعلم عياد .. مصرى صميم….  أبن  بلد

رغم مرور عامين على وفاته الا ان سيرته لم تنقطع من على  ألسنة محبيه وتلاميذه الذين تعلموا القراءة والكتابة على يديه وخاصة من مسلمي القرية الذين حفظوا القرآن على يديه بكتاب داخل كنيسة القرية بجانب الانجبل الذى علمه للتلاميذ الاقباط من ابناء القرية.

 مات عياد شاكر العريف ابن قرية طهنا الجبل منذ عامين تقريباً عن عمر يناهز التسعين، حيث وهو المولود فى نوفمبر1930، إلا أن ذاكرة العامة في قؤيته والقرى المجاورة لم ينسوه، أخلص لتلاميذه فلقبوه بـ “معلم الأجيال”.

يدرس القرآن والإنجيل:

اتخذ الكنيسة كتاباً لحفظ القرآن والإنجبل، الأمر الذي لاقي كل الترحيب من المسلمين والمسحيين، وكيف لا وهو الذي رفض تعيينه مدرساً من أجل تعليم أبناء بلدته، رجل أحب القرآن  فأحبه تلاميذه  ومريدوه، فقد كان يشترى الجزء من القرآن الكريم بقروش معدودة تطوعاص منه ليعلم منه أطقال المسلمين في قريته، وحتى قبل وفاته لم يتخلى عن مواظبته على القراءة في المصحف وتحفيظ القرآن.

اتخذ المعلم عياد “كما كان يحب أن يطلق عليه”، من منزله الريفي مدرسة يعلم فيها تلاميذه المسلم قبل المسيحي، إيمانا منه بمساواة تحصيل العلم والمعرفة حتى الشق الديني منها، مثله الأعلى  الدكتور طه حسين، و دائما ما يسأل على تلاميذه إذا غاب عنه أحد منهم. كان رجل مسن لكن عقله شاب وناضج متفقه بالعلم والدين، لا يفكر فى نفسه حتى في أيامه الأخيرة.

ورث مجال التحفيظ عن والده

إنه المعلم كما يسمونه “عياد شاكر العريف”  الذى ورث العلم وحفظ القرآن عن والده، الذى كان يعلم أبناء قريته وورثه المهنة، ورفض تعيينه فى الحكومة من أجل ابناء بلده ضحى بالمال  والوظيفة  إلى أن أصبح  معلم  الأجيال، كما يقولون عنه بقريته  ،التى يقبع بها قرية “طهنا الجبل  “الواقعة شرق النيل بين أحضان الجبل ونيل مصر، لا يفرق بين مسيحى ومسلم الكل عنده سواء ،  وتلاميذه ما زالوا يذكرونه بالمصرى الصميم  وأبن البلد المخلص بكل المعانى.

 المعلم : طالب الإعدادية محتاج تعليم ألف باء

تخرج عياد العريف  من مدرسة المعلمين عام 1957، وصدر قرار تعيينه بمدرسة الروضة بمركز ملوي، لكن والده رفض تعيينه مدرساً من أجل أبناء قريته طهنا الجبل، والتى كانت فقيرة ليس بها معلمون أو مدرسة فى ذلك الوقت بعد أن حصل على الإبتدائية الإلزامية الإجبارية عام 48، ليلتحق بمدرسة المعلمين بمدينة المنيا فى ذلك الوقت، وتخرج مدرساً إبتدائياً وعاد إلى قريته ليكمل مشوار والده الذى كان يعلم أبناء القرية القراءة والكتابة وعلوم الدين المسيحي والإسلامى.

 وكان يقوم بتعليم الأولاد من سن الحضانة حتى المرحلة  الإعدادية مرتين يومياً لمدة 5 أيام  ، بواقع فترتين فترة صباحية وأخرى مسائية  ،أيام الصيف  ،وفى الشتاء أدرس للطلاب عقب إنتهاء اليوم الدراسي.

أمسك  العصا لأنها الآلة التى تعلم الطلاب، وبها يخاف التلميذ فيذاكر ويحفظ دروسه، لأن العصاه كما قال طه حسين بالعصا هنا تعلمنا، مقابل أجر رمزى لا يتعدى 10 جنيهات شهرياً لكل تلميذ .

المعلم: حب العلم  والناس من حبك للقرآن .

  علم العريف  أكثر من 1700 طالب وطالبة من الإبتدائى والحضانة والإعدادى ،  وأتخذ حتى وقت قريب من الكنيسة بالقرية، كتابا لتعليم الطلاب كافة الدروس القراءة والكتابة واللغة العربية والحساب والإنجليزية بطلاقه، حتى حول منزله لمدرسة متكامله وحفظ القرآن الكريم من والده المقدس شاكر العريف الذى شجعه على حفظ القرآن، لدرجة أنه كان يشترى للطالب الفقير أجزاء من القرآن، الجزء وهبته قرشان فقط حتى يستطيع الطالب أن يحفظ القرآن.

 وظل حتى مماته يقرأ فى المصحف الذى أهداه له تلاميذه من أولاد الشيخ عبد العال الجرجاوى، بعد أن تخرج أولاده، منهم الأطباء والمهندسون على يديه، كما أهداه الشيخ عبده السنى مصحفاً من الحجم الصغير ما زال يقرأ فيه.

 المعلم عياد: الكنيسة لم تعترض على تعليم القرآن

خرج أجيالا على مدار 58 عاما، وأنا ادرس القرآن والعلوم المدرسية والإنجيل، لأبناء القرية بل إن الكنيسة أعطته مكانا أتخذه كتابا، قبل أن يكبر فى السن،  وكان يعلم  فيه أبناء القرية من المسلمين القرآن والمسيحيين الإنجيل، لأن عدد المسلمين أكبر  فقد تعلم  على يديه أكثر من 200 طالب حفظوا القرآن، والبعض تناساه  لسوء التعليم فى المدارس، لأن تلاميذ الإعدادية يحتاجون اليوم لمن يعلمهم ألف باء، وبل على العكس وجد ترحيباً من آباء الطلاب، وحتى الأقباط كانوا سعداء به، حين راوه يعلم  المسلمين حفظ القرآن وتلاوته  وتجويده ، رغم انه مسيحى، إلا أنه وجد أنها رسالة يجب أن أؤديها عليا حتى الموت ، رفض المال من أجل التعليم ، ورفض الوظيفة من أجل أبناء قريته كن دائما يقول كيف أهجر نعمة أعطاني ربى إياها.

كشوف بأسماء طلابه 

ولم يكن المعلم عياد العريف هو من يتحدث عن نفسه بل إن تلاميذه وأبناء قريته الذين تخرجوا على يديه وتعلموا القرآن فى كتابه، وحتى أن بلغ من العمر عتياً إتخذ منزله كتابا بل مدرسة، يعلق فيها سبورتين وكشوف بأسماء طلابه وتلاميذه، وإذا غاب عنه أحد سأل عليه، وإذا تأخر أحد فى قرآءة القرآن، أشترى له أجزاء من القرآن حتى يشجعه على قراءتها وحفظها  هكذا قال أبناء القرية .

عمدة القرية : المعلم عياد مصرى صميم ..  وابن بلد .

 قال العمدة عمرو حسن رياض عمدة قرية طهنا الجبل والذى اصبح فيما بعد استاذ للحقوق بجامعة  اسيوط بعد ان حصل على الدكتوراه  وتعلم على يد المعلم عياد العريف

 قال لموقع اليوم  الاخبارى  أبونا عياد تعلم والدى وأجدادى  وأعمامى على يد والده،  المعلم شاكر العريف  ، وتعلمت أنا على يدي المعلم عياد  حتى وفقت وحصلت على الدكتوراه فى القانون ، قبل أن أعين عمدة للقرية  ثم استاذا بالجامعة  وأشار إلى أن عمى عياد هو إبن بلد ومصرى صميم  ،لا يفرق بين مسلم  ومسيحى  ، كان يصر على تعلمينا حفظ وقراءة القرآن  ،إنه نابغة لم تعوض ، خرج أجيالاً منهم المستشارون ، والمهندسون ، والأطباء ، والمحامون  ، والمعلمون وغيرهم ، ولولا كبر سنه لواصل ذهابه إلى الكتاب بالكنيسة ، إلا انه ما زال رجل وطنى معطاء للعلم والخير لأبناء قريته.

نجل عياد  المدرس حاليا : ابى  لم يميزنى على أحد من تلاميذ القرية

أما أبنه الاكبر ناجح عياد العريف  مدرس، تعلمت على يد والدي، وكان لا يميزنى عن باقى زملائي، وإذا أخطأت فى العلوم أو الإنجليزى أو الدين المسيحى كن بيضربنى ضربا مبرحا،حتى أكون تلميذا شاطرا وبالفعل تعلم الكثيرون حتى أصبحوا اليوم رموزا بالقرية ومشاهير بين الناس .

 فيما قال الطالب توماس عزيز طالب إعدادى بالقرية ،  نفسى أتخرج طبيب علشان أعالج أبناء قريتى زى ما معلمنا عياد بيعمل ، بيعلمنا كل حاجة وبيضربنا علشان نتعلم  ، ولما أخطىء فى الإنجليزى بيصحح لينا الأخطاء ويتحدثها بطلاقة ، لا يعرفها مدرس اللغة الإنجليزية .

 أما بيشوى كيرلس طالب إعدادى قال:  عمى عياد ده معلم مفيش زيه فى البلد ، مفيش حاجة  يعرفها إلا تعلمناها منه  ، ووالدى مبسوط علشان  كنت باتعلم فى مدرسة عمى عياد  ،ونفسى أطلع مهندس علشان أقدر اخدم بلدى وقريتى .

 أما محمد شعراوى  فلاح قال : أنا  كنت بأجيب أولادى الأربعة عند عمى  عياد ،  وأخواتى هنا بالقرية تعلموا فى كتاب عمى عياد ، أتعلموا القراءة والكتابة ، وحفظوا  القرآن فى كتاب عمى عياد  ،إلى أن تخرج منهم المدرس ، والمحاسب ،  والمحامى من أخواتى

  فيما أختتمت التلميذه  “مرسا كيرلس  “أنا فى أولى إبتدائى كنت  بأتعلم فى كتاب عمى عياد ، وبأقعد أسمع القرآن والإنجيل من عمى عياد ، وبأحكى لأبى عن علم عمى عياد .

أما محمد إبراهيم قال كان نفسى أتعلم عند عمى عياد لكن جبت ولادى هنا فى بيته ،  وأتعلموا عنده القرآن  وعندى ابنى قرب يخلص الجزء السادس من المصحف علشان عمى عياد  كان بيعلم أحسن من المدرسة .

 وهكذا تحول كتاب عمى عياد العريف  إلى  قلعة علم  يأتى إليها القاصى والدانى  ،  من القرية وبعض القرى المجاورة ، لكى يروا ويشاهدوا نبوغ ذلك الرجل السن فى براعته  ، وإبداعه فى تعليم القرآن ، وعلومه الغزيرة  وأسلوب تعليمه الذى كانت تسير على خطاه المدارس قديما  ، أنه كتاب عياد العريف أبن قرية طهنا الجبل

.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.