علاء عبدالحسيب يكتب: اللحظات الأخيرة.. «جثة في الرمال»

0

بمجرد أن تطأ قدميك ناصية الشارع الذي كان يقطن فيه الشاب «أحمد»، ستقرأ كلامًا كثيرًا جدًا في عيون أهله وجيرانه وأصحابه وسكان المنطقة بالكامل.. إن تماسكت لأن تصل إلى منزله لتنظر في عيون والده «الحاج عاطف»، ستتيقن تمامًا أن المصيبة كبيرة، والفاجعة بشعة، والحادث جلل.

ستعلم تمامًا أن الله أعطى هذا الكهل فرصة أخرى للحياة، ليعطي للجميع درسًا في الصبر والإيمان بالله وقدره.. ستتأكد تماما أن الله قذف في قلبه تلال عملاقه من الرضا بالمكتوب أبت أن تجعله أسيرًا للانكسار والانهيار والفناء، بعد فقدانه نجله الوحيد.

فترة عصيبة جدًا عاشتها أسرة «أحمد» منذ اختفائه.. هاجس كان يراود الجميع بأنه أُصُيب بمكروه.. الخوف كان كبيرًا جدًا حتى قبل معرفة أسباب الاختفاء.. جميع أهالي المنطقة كانوا على قلب رجل واحد في البحث عن الشاب.. ظروفه الاستثنائية ربما كانت سببًا في كل هذا التضامن والحب والقلق.

فهو شباب في الخامسة والعشرين.. ابن وحيد لأسرته، ولديه أربع بنات في مُقتبل العمر.. قرر كحال الكثير من أبناء جيله السفر إلى العاصمة، تاركًا مسقط رأسه بمحافظة الشرقية، بحثًا عن عمل شريف يضمن له حياه كريمة.. ويرد به الجميل لوالده الكهل الذي ربى وعلم وأنفق عليه وشقيقاته الأربعة الكثير، لأن يحيوا حياه شريفة..

سافر الشاب إلى قاهرة المعز.. واختار طريقًا مشروعًا للبحث عن المال الحلال.. والابتعاد عن براثن الشر ومرافقة شياطين الإنس..

من يعتقد أن القدر سيجعل الطريق ممهدًا طوال الرحلة فهو واهم.. ومن يظن أن الحياة كلها ورديه فهو مخطئ.. فالعراقيل والأشواك ستلاقيك في طريقك لا محالة .. الأمر هنا يتعلق بطريقة التفكير وحسن اختيار القرارات حتى لا تكون العواقب وخيمة، والنتائج كارثية كما حدث في هذه الواقعة..

مرت عشرة أيام كاملة على اختفاء «أحمد» دون الوصول إلى معلومة واحدة وراء غيابه.. فترة عصيبة عاشتها أسرته كانت مليئة بالخوف والقلق والتوتر.. محاولات بحث لم تتوقف قام بها أصدقائه وجيرانه وأهالي منطقته.. منشورات وتنويهات مكتوبة علي مواقع التواصل الاجتماعي بصور ومواصفات وتاريخ اختفاء «أحمد» لم تصل إلى أي جديد.. الجميع كان يشعر بأن هناك لغزا ما وراء غيابه.

هاتفه المحمول كان خارج نطاق الخدمة طوال فترة الاختفاء.. وتردده المعتاد على مقر عمله توقف تماما.. أسئلة كثيرة كان يرددها أصدقائه وجيرانه وأهله.. أين اختفي الشاب؟.. محاولات البحث لم تتوقف منذ اليوم الأول لغياب الشاب.. في المستشفيات وفي أقسام الشرطة وعند أصدقائه ومعارفه..

اختفاء آثار ومتعلقات الشاب كان أمرًا مقلقًا .. الهاتف المحمول والسيارة التي يقودها لم تكن موجودة لا في مقر عمله بإحدى مواقع المشروعات ولا حتى عند سكنه .. الخوف كان يزداد مع الوقت .. والقلق سيطر تمامًا على أفراد الأسرة بالكامل.. حتى بدأت الغمة تنقشع واللغز يوشك على الحل.. فقد عثرت أجهزة الشرطة على السيارة النقل بالطريق الصحراوي بالقرب من منطقة الجيزة .

إحساس قاتل مر على أسرة الشاب وهي تعيش أجواء الكشف عن طلاسم جريمة قتل نجلهم.. شريط من الذكريات الأليمة دار في الأذهان باللحظات الأخيرة في حياته.. بالمواقف التي عاشوها معه قبل معرفة التفاصيل الكاملة..

كان العثور علي السيارة بالطريق بداية مأساوية للكشف عن جريمة بشعة حدثت في حق الشاب.. لقد كانت جثته مُلقاة بمكان أخر بالقرب من صحراء أطفيح بالجيزة.. مشهد العثور علي جثته مدفونة في الرمال كان مفزعًا، بعد أن ظهر جانبها الأيمن في حالة تحلل تام.. لقد كانت واقعة مقتل الضحية مُدّبرة، وتعرض للضرب على رأسه قبل مقتله.. هذا ما توصل إليه تقرير الطب الشرعي بعد الكشف عليها.

عندما تتأمل كواليس وقوع الجريمة، ستجد أن الحادث لم يكن طبيعيًا.. داخل موقع المشروع الذي كان يعمل به الضحية كانت تكمن الحقيقة كاملة.. كان يمكث الشيطان القاتل.. لقد روى شهود عيان تفاصيل المشادة التي حدثت بين أحمد، وسائق آخر يدعى «فضل» بسبب أولوية تفريغ الحمولة، واختلافهما على ثمن موحد أمام مقاول المشروع..

وأنت تستمع إلى هذه الروايات ستجد نفسك أمام مسببات واهية للحادث.. أمام مشاحنات تحدث كل يوم ألف مرة بين الأصدقاء والأهل وزملاء العمل.. أمام سلوك يحدث دائمًا في الشوارع وفي المواصلات وفي المقاهي.. في المنزل وفي العمل وحتى في رحلات التنزه..

عندما تجلس مع نفسك لتسترجع دوافع ارتكاب الجريمة، ستصاب بالذهول، وتتأكد تمامًا بأن هناك سببًا أكبر وراء قتل الضحية.. ستجد أن المتهم هنا ما هو إلا وسيلة بين القاتل والضحية .. لقد كانت المخدرات هي البطل الحقيقي في واقعة القتل.. هي من خططت وقتلت واستخدمت أدواتها للخلاص من الضحية.

لقد حدث ذلك بالفعل.. وكشفت المعلومات الأولية التي توصل إليها رجال مباحث مديرية أمن الجيزة.. أن القاتل سبق اتهامه في قضايا مخدرات.. سيئ السمعة.. دبر ارتكاب الجريمة للخلاص من «أحمد».. واستعان بأحد رفاق السوء من شياطين الإنس لتنفيذ الواقعة بطريقة شيطانية لا يتخيلها أحد.

أعد المتهم الأول مسحوقا من الشطة.. واتفق مع المتهم الثاني على استدراج المجني عليه بعد خروجه من موقع المشروع إلى صحراوي أطفيخ بالجيزة، بحجة توصيلهما بعد إيهامه انتهاء الخلافات بينهما..

الغدر كان ينتظر «أحمد».. ونية السرقة والقتل كانت تجري في جسد شيطاني الإنس مجرى الدم في العروق.. قتلاه ودفناه في الرمال، واستوليا على متعلقاته وأمواله لكنهما فشلا في بيع السيارة إلى تاجر خردة عقب اكتشافه وجود آثار دماء عليها فأعادوها بجوار الجثة.

قرر القاتل أسير المخدرات الاستعانة برفيق السواء فكان له خير مُلبيًا.. وأعلن مساندته الكاملة لرفيق الكار فقتلا الضحية.. «مات الخير» و«سُجن الشر».. وظل البطل الحقيقي في الجريمة على قيد الحياه يحتاج إلى مواجهة من الجميع.. ومساندة الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية للقضاء على تجارة الصنف.. مواجهة من البيت .. ومواجهة في الإعلام.. ومواجهة في المسجد.. ومواجهة في المدرسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.