الشيخ عبد الرؤوف اليماني الحسنين يكتب: أشاهِد بعيون قلبي

0

أشاهِد بعيون قلبي، أجد أن هذه الحياة ماهي إلا مجرّد غربال، بَيْدَ أنّ الثُّقوب جدًّا كبيرة.
لا يَتَأتّى إلاّ لإنسانٍ بَلغتْ روحُه عِظَمَ الجبال، أن يَثْبُتَ على المِنخَل ويُؤمِنَ باللّه، فيَحمد اللّه لأنّه يستطيع شمَّ طِيبَ الجنّة ويملأ روحَه من محبّتِه سبحانه، ويفتح عيون قلبِه للمشاهدة.

أشاهِد بعيون قلبي، فيتراءى لي أنّ هذه الحياة ليست سوى جزيرة معزولة وسط المحيط. بحر الخطيئة كبير جدًّا، والمغموسون فيه لا زالوا يضحكون. فقط مَن لم يَشرَب من خمر الدّنيا يبكي، وبحلاوةٍ عند تذكّر الإله يَأْنَس، حلاوةٌ يتَّقد بها حبُّه لِلرَّبِّ، فيفتح عيون قلبه للمشاهدة.

أشاهِد بعيون قلبي، فيتّضِح لي أنّ هذه الحياة ما هي إلّا غُبار على جُرْمٍ سماويّ، جُرمٌ يُسَيِّره خالقُه، مُقَدِّرًا الموتَ والفناءَ على كلّ مَن يَطَؤُه. (الوقت لا يعود، والموت محتّم على كل الحيوات).

أشاهِد بعيون قلبي أنّنا مُبحِرون في عواصف وأمواج عنيفة لا غير. آمُلُ أن أكون قريبًا من ربّي إبّان غرقِي.
سيُنار بالنّور الإلهيّ الحقيقيّ قلْبي قبل الغرقِ.

أشاهِد بعيون قلبي أنّي أَصعَدُ إلى بُرج النّور في الجنّة. وطائر الجنّةِ الرّفرافِ الأخضرِ يطير أسفل قَدَمي. حينما ستتبدَّل ألوان وجوه الأنبياء والأولياء، سَأَحُلُّ على بُرج النّور بوجهٍ ناعمٍ مُسْفِرِ. (ملاحظة: التّواجد على برج النّور الجماعيّ لا يتأتّى بمال ولا بقرابة بل بتقوى اللّه الخالصة).

أشاهِد بعيون قلبي، أنا بالفعل عبدٌ هارب، فارٌّ من جَنْب اللّهِ ومُرتاح مؤقّتًا في الحياة الدّنيا. حين يدعوني ربّي بعد إكتمال إختباره، جزمًا سأعود إليه لأُحاسَب.

أشاهِد بعيون قلبي، فأرى خطايا روحي ما تزال ملطَّخةً بِبُقَعٍ لا تنتهي. لا أقْدِر على شيءٍ سوى أن “أُتابع نشْر الإسلام لأَجْل الرسولِ ﷺ”، فأستعمِل ذلك كَفُرشاة، وألتقط صابون التّوْبَة، وأُغرِق نفسي في نبع التقوى وتكفير الذّنوب … لكنّني خائفٌ ولازلتُ غير مطمئِن، لذلك نَذَرْتُ نفسي في سبيل الشّهادة. حُبّ الحقيقةِ يَحرِق قلبي، وإلى الخَليقة الأولى يعُودُ بي!

أشاهِد بعيون قلبي، فأَلمَح العديد من المعارف باتتْ كَجُثث متحرّكة. حتّى أنّني أرى الشياطين ملتصقة به، أولئك الغرباء قد اسْوَدُّوا وتعفّنوا. في حين أنّ رؤيتك يا زميل الطريقةِ، بروحِك التي تُشبه جبلًا أبيضًا متوهّجًا، تُحِيل إلى أنّك قد أَنرْتَ إحدى الوِجْهاتِ. سالكًا سبيل النّبي ﷺ واعظًا بالإسلام الحقّ. بعض النّاس تُصدَم حتّى الموت، وبعضها تستفيق بفضلك. قال لي ملاك: “رغم أنّك لستَ نبيًّا، فقدْ أُنزِلتَ مَنْزِلَتَهُ. أودُّ معانقتَك!”

أشاهِد بعيون قلبي، فيبدو النّاسُ جميعًا كَهَيَاكِل، وحيواتهم مجرّد أوهام، وأنا ميِّت لا مَحالة، لأنّ العائدون من الآخرة إلى هذه الحياة هُم الأكثر تقوى، ونحن نَسِيرُ تمامًا على هذا المِنْوال.

أشاهِد بعيون قلبي، أنّ رزقي استُنفِذ وبركاتي، وقد جاء ملَك الموت يُناديني، لِذا أستيقظ ليلًا مُستعجِلًا… أعبُدُ اللّه. فُقدان كل ما في الدّنيا، لا أخافُهُ ولا أخشاه.

أشاهِد بعيون قلبي. حياتنا مجرّد ممرٍّ لا أكثر. كثير من النّاس وُلِدَ على الطّريق. يجري به الزّمانُ، فيتَقدّم في السّن ويكبُر. وحين يَجتاز بوّابة المدينة، يَرقُد في ضيْقِ جوْفِ القبْر.

أشاهِد بعيون قلبي، أكتشِف أنّ ملَكَ الموت جزّارٌ! وأنتم بقَرٌ وأغنامٌ مقيّدةٌ بعلاماتٍ مُنذِرةٍ باقترابِ لحظةِ الذّبْح! وأنا بالفِعل واحدٌ منكم! أسبِّح على عجَلٍ مُسابقًا نَفَسِي المحدود، خاشيًا أن يَنقطِع تسْبيحي.

أشاهِد بعيون قلبي وأرى جدارًا كُتِب عليه: “الحياةُ الدّنيا لا تتجاوز أن تكون عطِيّةً تُهداك قبْل الممات، وضحِكُ الدّنيا بِرُمَّتِهِ ما هو إلّا رفاهية بسيطة، تَسعَدُ بها مادُمت تَحْيَا على البسيطة، المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الفانِيَة، الشّدائدُ تُذكِّرُك بهذه الدّنيا، والرّضا سُمٌّ يُفقِدكَ الآخرة”.

أشاهِد بعيون قلبي تحوُّلَ هذه الحياة تدريجيًا إلى بحيرةِ نبيذٍ مخمور، والنّاس الّتي لا تَشرَبُ لا يُرْوى عطَشُها. مِن تمَّ، فأنا أشرَب ولا أثْمَل. لذلك غالبًا ما أذرِف دموع التّوبة.

أشاهِد بعيون قلبي… زهرةٌ هي دُنْيانا، بيْد أنّ باقةَ الزّهورِ آخِرةٌ فيها غِنَانَا. تبَيّنَ أنّ الضّالِّين يَأخُذانِهما على مَحْمَلٍ معكوس. الزّهور بأكملها مُلقاة على الأرض، وهو بالشّبح المُمْتثِل على المرآة مهوُوس، لكنّه غافل عن الشّيء الحقيقيّ الكائنِ خارجها.

أشاهِد بعيون قلبي، فَيَظهَر أنّ كافّة المؤمنين الحقيقيّين ماثلون خارج المرآة. أُضيئت بهذه الحياةِ سجِيَّتُه، و بِبارِئه اكتفى قلبُه. فلم تَعُد تنتمي لهذا العالَم تصرّفاتُه.

أشاهِد بعيون قلبي أُناسًا تندفِع أرواحُهم مسرعة تحمل الأجسادَ خلْف الظُّهْران. بعضهم يَزيدُ من كُتلة جسمه، وبعضهم يَزيدُ من نور روحه. فتَجِدُ لِبعضهم أجسادًا ضخمة، ولِبعضهم أرواحًا تُعادِل بِعَظَمَتِها ضخامة الجبال. جسدي تُدَثِّرُهُ روحي، لذا أعجَلُ لربّي أحمدُهُ وأشكُرُه.

أشاهِد بعيون قلبي أن الصّوفيّ صيّاد قديم حقًّا، لكنّ الإسلام كالمُحيط، لا حدّ له، والتَّكِيَّة ليست إلّا سلّة صيد. لستُ أَدْري بشأن السّمك الذي بالدّاخل، إن كان سيُصادُ أو يُطلَقُ سراحُه، إلى الفَجْر لازلتُ صامتًا أراقِب.

أشاهِد بعيون قلبي، فأجِدُني أقوى أن أسمع بلا أذنيْن وأرى بلا عينيْن، أمشي بلا قدميْن و أطير بلا جناحيْن، آخذ بلا يَدَيْن وأَعرف مِن دون تخمين. قرأتُ في عُجَالة: “الحَمْدُ.. أَجْمَعُهُ للّه!” و “محياي ومماتي، سجودي وتضحياتي كلّها في سبيل اللّه ربّ العرش العظيم”.

أشاهِد بعيون قلبي أنّ أَتْباع الصّوفيّة قد لا يستطيعون دخول الجنّة. إكتمَلَتْ بشريّةُ البعض، وانتصفتْ عند البعض الآخَر، بعضهم لم يَزِد عن أن ارتدى من ثِياب البشر، وبعضهم سُلِب من قِبَل الشّيطان. لكنّهم مشغولون جميعًا في نزاعٍ مع أنفسهم. لباسًا… أنا لا أرتدي، على قلبي أضعُ يدي.

أشاهِد بعيون قلبي، وأرى النّيّة الحسَنة قد كُتِبَتْ على اللّوح المحفوظ مقرونةً بثوابها. “فإنّما الأعمال بالنّيّات”. أقوالٌ وأفعالٌ بين العَشرة والسّبعين تراوحتْ حسناتُها. لذا، لا تَقْتَصِرْ على الفِكْر بمعزلٍ عن الفِعْل.

أشاهِد بعيون قلبي، رِزْقُ حياةِ المرْءِ بأكملِها مكتوبٌ. ستأكل رزقَك أينما وُجِد، ولن تُبْرَحَ مُقامَكَ مادام رزقُك فيه مُطَّرِد.. نصيبُك آتيكَ ولو كان على بُعدِ آلاف الأميال؛ و إن لم يكن من حظِّكَ فأنتَ فاقدُهُ ولو استقِرَّ بفَمِك.كذلك هناك قائمة بأسماء أناسٍ سيأكلون من وليمة الجنّة. مُدّةُ العُمُر قَطْعًا ستنتهي، فلماذا لا أزال أقلقُ من رزقٍ ذي قِلَّة؟

 

أشاهِد بعيون قلبي، فيَتَّضِحُ أنّ لِقلْبِ كلٍّ منّا بابٌ ونافذة. المفتوحُ منها، يَتسرّبُ من خلاله نورٌ حقيقيّ، والّذي لم يُغلَق تمامًا، لايزال طفِيفُ شعاعٍ يَنفُذُ عبْرَهُ، أمَّا المُوصَدُ كلّيًّا، فَقَدْ استَمْلَكَتْ مقاصدُ الدّنيا بواطِنَهُ.

أشاهِد بعيون قلبي أنّ الهَوى مجرّد لِجام، والحبْل غالبًا ما يشُدُّه شيطان؛ الغيْرة أفعًى تُفسِد كلّ عملٍ صالح؛ والكسلُ مِزْلاقَةٌ… مَكْسُـوٌّ بِالطَّحالبِ سطْحُها، وكثيرون على المِزْلاقَة قد وُلِدوا. تلك أربعُ مجموعات من النّاس، على باب النّار… عاليًا يَصرخُ بِهِم الْخَنَّاس.
(ملاحظة: هنالك أربعة أعداء على الدّرب الصُّوفيّ: الشّخصية، الأنانية، الشّيطان وكذا الكبرياء والكسل، وكلّها محظورات).

أشاهِد بعيون قلبي، مَثَلُ هذه الحياة كَمَثَلِ امرأة عجوز متجعّدة منحنِية، تأْمَل أن تغدو سيّدةً جميلة، هذا إنْ لم يكن فتاةً يافِعة. لذلك قَيَّدَت الشّبابَ بِالحِبال، وشيوخٌ كثيرون يَبْدُونَ شُبّانًا شأنهم شأنها، أولئك من يُنفِقون زُبْدَة حياتهم جَشَعًا وأنانيّة.

أشاهِد بعيون قلبي جدارًا مكسورًا دُوِّنَ عليه: “الزّوجة والإبنة الفاضلتان عَطِيَّتان من اللّه. خلاف زوجة “شمعون الغاز”، الّتي كانت رأسَ مِحْنَتِهِ وبُرْهانًا على يَقينِ صلاحِهِ. الرّبحُ والخسارةُ مَكتوبان لكلِّ امرئٍ على قلبِهِ.” (ملاحظة: شمعون الغاز: رَجُلٌ قاتَلَ في سبيل اللّه ألْف شهر، وقَيِّدَتهُ زوجتُه خِتام الأمر …)

أشاهِد بعيون قلبي فيَظهرُ لي أنّ القلبَ مِثل المرآة. لكلّ واحدٍ منّا صورَته الخاصّة، بعض هذه الصّْوَر تُشبه الأنبياء والأولياء، وبعضها تُشبه الشّيطان، بَيْدَ أنَّ الأكثريّة لا يُشبهون شيئًا، ماعدا أنّهم يَعكِسون على المرآةِ صُوَرَ أنفسِهم وصورة الحياةِ.

أشاهِد بعيون قلبي حيثُ البُركان أوشَكَ على الإنفجار والأرض دَنَتْ من الغَرَق، البحر قارَبَ أن يُغطّي الغَبْراء والنّار على وَشْكِ إلتهام الخَلْق، ريثما قِلّة من النّاس فقط تستطيع أن تُحلِّق.

أشاهِد بعيون قلبي، هنالك حقًّا من يقف بباب الجحيم ويَصرُخ. من يُجيبهُ… فورًا يَفقِد نور الإيمان. مُرْتَدُون لِعَباءة الدِّين يزعُمون انتماءَهم لسُلالة سَيِّدِ الخَلْق وللإسلام المُبِين. فخورون بألوانِهم، ألسنتِهم، ملابسِهم، باطلِ أقوالِهم، لهْوِهم وقرابةِ الدّم خاصَّتِهم. مُنتصِبٌ أمام بوّابة الإسلام الحقّ، يحُول دون وُلوج مَن ليس له بالآخرة حظّ، وخلْف البابِ أُناسٌ يَتفرّجون بِحِذْق…قد فَطَنوا ما يجري.

أشاهِد بعيون قلبي أَئِمّةً كَحمير وقرود بملابس خضراء، يَفتَحون شُنَطَ أموالهم وكذا أفواههم. كم مِن الْجَهَلَة يَتّخِذون ألسِنتَهم قرآنًا وأهواءَهم إسلامًا، لَهْوَهم نِكاتًا وهُراءَهم عيْن الحقيقة. نِصْفُهم رَفَعوا رؤوسَهم وأَغمَضوا أعْيُنَهم، والنّصف الآخر خَفَضوا رؤوسَهم لإطاعة الأوامر. أرى مِياهَهم عاليةً مِثْل الحَطَب.

أشاهِد بعيون قلبي، في كلِّ مرّةٍ يَخطِف الشّيطان إيمانَ أحدٍ ما، يَنقُش خَدْشًا على الحَجَر. ألاحِظ أنّ الحجَر محفور عليه بخطوط رأسية وأفقية، كَتُمور مجفّفة منكمشة. أنظرُ إلى الّذين تعرّضوا للإستيلاء، هُم لا يزالون مَغلولين بقيود تكبُّرِهم، ويصرخون فاقدين لأعصابِهم، ويشربون الخمْر. ستموت قلوبُهم ولن يشعروا بأيّ ألمٍ أو ندم. أرى الشّيطان يُعلِن بكلِّ فخْر: “اللّص يسرِق الغنيّ! وأنا أسرِق مَن غَرَّه إيمانُه فاستَكْبَر، والنّفْس هي لِجامي”. بِوُسْعِ كلمةٍ واحدةٍ أن تُدخِلك الفردوس، وبِوُسْعِ أخرى أن تَزُجّ بك في اللَّظَى. إنْ لم يزِن العبْد إنشاءات لسانِه، جَدَّ أمرُهُ واشتدَّ أمام إلَهِه. كَلِمُ النبيّ ﷺ صنّارتي. يفِرُّ الشّيطان فرارًا لحظةَ رؤيتي. بيْدَ أنّ مَن سلَبَهم الشّيطان زِمامَهم.. لاموني: “لا يصِحّ أن تكون كذا، لا يصِحّ أن تكون كذاك!

 

أشاهِد بعيون قلبي أتقياءَ كُثُر آتون يوم القيامة فارغي الأيْد فقراء، لكنْ بتفاؤلهم يعتقدون أنّ مثْواهم الجنّة. يوم البعث سيأتي كثيرون بما عمِلوا من عملٍ فيكون هباءً، لكنّهم لا يَشْهَدون من الآخَرين هنا إلاّ ثناءً وإطراءً. تديُّنهم بالإسلام كانتقائهم من سِلَع السّوق ما يُرضي أذواقَهُم، يتَبَسَّم الشّيطان ظافرًا، و قلبي منكسِرٌ يَرْثَى لَهُم.

أشاهِد بعيون قلبي، فألمَحُ النبيّ ﷺ يذرِف دموعًا، وأَسمعُه يقول: “ربّي لا يوَدُّ أن يُلْقي في الجحيمِ أيًّا من أمّتي، لكنَّهم غافلون، غافلون جدًّا!”. أَنظرُ حول نبيّنا ﷺ، هناك كتُب مكشوفة. سِجِلّ الحسناتِ فراغٌ، قليلٌ ما عليه مُتناثِرُ، وفَاضَ بالسّيئات حتّى تعَدَّى الهامِشَ السِّجِلُّ الآخرُ. على عَجَلٍ أستودِعُ الحبيب ﷺ، وأهرُبُ إلى بيتي يائسًا فأتعبّدُ.

أشاهِد بعيون قلبي فأرى أَيْدِي والِدِينَ كُثُر بدماء أبنائهم قد لُطِّخَتْ، ودماء على أرواحِهم تَتقاطر بفَيْضٍ، متجاوزة غَدْقَ الّتي على أيديهم. يبتسمُ الشّيطان ويقول: “أبادوا ما لا يُحصى من ثوابهم وثوابِ ذُريّاتهم”. في حين أنّ هناك من يقودون ذريّتهم للجنّة واحدًا تلو الآخر. حتّى أنفاسهم ذِكرٌ لِلّه أيضا. تُخبرني الملائكة: “أولئك هم من أَنجبوا أكثر وربّوا أكثر، وقادوا إلى درْب المجْدِ الحقيقيّ أجيالًا لحِقَتهم”. فهنّأتهم…

أشاهِد بعيون قلبي فأرى اثنين أضرما نارًا في قصورٍ، وبيوتٍ من الكنوزِ، وجبالٍ من الذّهبِ الأحمرِ فحوَّلاها رمادا. فتحسَّرتُ ونطَق لساني: “يا أسفاه!”. بينما يَحرِقان يقولان: من لا يُؤتِ زكاتَه لا يدَّخِر اللّهُ أملاكَه. مبروك لمن ضحّى بنفسِهِ قربانًا لربِّهِ، وبَذَل كلّ المال في سبيلِهِ! أتمنّى أن تكون عبدًا كهذا!”

أشاهِد بعيون قلبي أنّي أتَبدّد تدريجيًّا في أعماقِ النّور، وتُزهِرُ في الأعالي بذورٌ كنتُ قد زرعتُها… لذا، جِئتُ إلى بابٍ سُطِّرَ عليه: “انْقَشَعَ الوهْمُ حين بَرَزَت الحقيقة”. لمَحتُ الشّكل السُّداسيّ حيث يكسُو الجمالُ الجمالَ والنّورَ يكسُوهُ النّورُ، هناك عُلِّقَتْ بالزّوايا فوانيسُ، ذهبيّةٌ وضِياؤها المُشِعّ على بحرِ الخُلْدِ ينعكِسُ. سمِعتُ صوتًا يُعلِن ببطء: “أُولئك الَّذين ليسوا أنبياءًا، مَن على درْب الحبيب ﷺ يَسِيرون، وعلى خُطاه.. للإسلامِ يَدْعُون، وبأنفُسِهم لخالقِهم يُضَحُّون، وبكلّ ما أُوتُوا من مالٍ في سبيل اللّهِ الحقّ يَجُودون، يتأتّى لهم ان يَلتحقوا بصفوف الأنبياء، ورغم أنّهم لم يَطَؤوا ساحة القِتال غير أنّهم أُنزِلوا مَنازلَ الشّهداء، هُم وحدهم مَن ضُوعِفَت أجورُهم ورُقِّيَت إلى أعلى مَراتبِ القُرْبِ مقاماتُهم.

أشاهِد بعيون قلبي أنّ الدّنيا في انكماشٍ وتقلُّص، والآخرة في كِبَرٍ واتّساع. الوقتُ قطارٌ يندفِع مسرعًا نحو “عَرَصَات”، سبيلٌ للجنّة أو سبيلٌ للنّار.. هذا ما هي عليه حقيقة الحياة، بينما السّبيل الصّحيح هو في الواقع شارة سُجِّلَ عليها: ” آخرُ جِسْرٍ للمرور”.

 

ختاماً
أجيالٌ من القادة الكبار قادَت التّابعِينَ إلى بحرٍ عميقٍ مِن النِّعمة الحَقّة: وهي إرشاد الأمّة إلى الوِجهة الصّحيحة.
وحدهم الأغبياء من يُغيِّرون آراءهم، لأنّهم يهابون مصائب الدّنيا أكثر من جحيم الآخرة. بِوِلادتهم على الشّاطئ و “ممارستهم الإسلامَ بسلاسةٍ وسلام” يظنّون أنّهم مُدرِكُو الضِّفّة الأخرى عاجلًا أو آجلَا، تمامًا كَمَن بالمرْكَبِ يَقطَعُ البحرَ مُرتحِلَا.
يعتقدون أنفسهم فائزين بالجنّة، حتّى لو لم يجتهدوا في سبيل اللّه، وأنّ بِمقدورِ الغَنَمِ المنفرِدة أن تَهزِم ابن آوى، وأنّ حصاد الآخرةِ الوافرِ آتٍ لا محالَة، ولو لم تُزرع أثْناء الرّبيع بُذُورُهُ.
نَسُوا أنّ هذه الحياة ليست إلّا ميدان اختبار. أحياء وقلوبُهم ميِّتة، وإلاَّ لَما خَدَعوا أنفُسَهم وخَدَعوا غيرَهم، لَما تَعَنَّتُوا، ولَما أذِنوا لكلام الشّيطان الخادعِ أن يَستوطِن آذانَهم.

بقلم حضرة الشيخ عبد الرؤوف اليماني الحسنين __مرشد صوفية الصين
ترجمة الاستاذة : عهود القرشي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.