خارج الحدود كتب : ياسر التنداوى

0

إنها القصة الأغرب بحياتي خارج الحدود، حيث كنت أدرس بإحدى مراكز الأترجة لتحفيظ القرآن وكان عددنا بهذا المركز لا يتعدى سبعة دارسين نصفهم من الكويتيين وكانوا جميعهم من كبار السن نوعا ما ممن تبدو عليهم الهيبة المختلطة بنور في الوجه يريح القلوب، ولكن لفت نظري أحدهم ذلك الرجل الذي تعلو الابتسامة وجهه دائماً !!,كان دائما يجلس بجانبي واعتدت عليه وأخذت أناكف به من حين لآخر فما كان يرد علي مناكفتي له إلا بابتسامته المعهودة وقوله الله يهديك يا ياسر فأبتسم وازداد مناكفةً له فلا يزداد إلا ابتسامةً وذات مرة كنا بالمصعد وسألته: عن وظيفته وكنت متوقعاً أن يرد علي بأنه طبيب أو مهندس أو مدير بأحد الهيئات ولكني فوجئت برده قائلاً لي: كنت مستشاراً بمحكمة التمييز( محكمة النقض) ولكن منتدب بالعمل بجهة أخري فقلت: له حد يترك محكمة التمييز أعلى درجة قضائية ويروح مكان تاني فتبسم كعادته وقال: أصل مكان حساس شوية فقلت له: حساس ازاي يعني؟ فقال: يا أخي مكان حساس مش لازم أقول.

قولت له :مداعباً حساس ازاي يعني؟ يعني هيكون المخابرات!! كل هذا وأنا أداعبه; فضحك وقال: أنا بهيئة مكافحة الفساد بحلقت عيناي بالرجل البسيط الواقف أمامي فما كنت أظن أن الرجل الذي يجلس بجانبي تاركاً عمله وبيته ليحفظ معنا القرآن هو مستشار بتلك الهيئة التي تراقب عمل الوزراء وكل مسؤولي الدولة ونزلنا من المصعد وخرجنا.

وقفت برهة انتظر لأرى طاقم الحراسة الذي ينتظره بالخارج ولكن زادت دهشتي عندنا رأيته يركب سيارته بنفسه دون سائق ودون أدنى حراسة وظللت فترة في اندهاشي ومرت الأيام إلي أن أمسكت مرة بأحد الصحف اليومية الرئيسية فإذا بصورة بها الرجل جالساً بجانب أمير البلاد وبسرعة نظرت لأقرأ الخبر الذي تحت الصورة لتزداد دهشتي أكثر عندما ذكروا اسمه وصفته بأنه رئيس هيئة مكافحة الفساد بدولة الكويت وليس فقط مجرد مستشار عادي بالهيئة أي أن منصبه يعادل منصب رئيس الوزراء ودار وقتها بمخيلتي شريط ذكريات طويل لما كان يحدث بيننا وما كنت أقوم به من مناكفة له وردوده الهادئة الجميلة عليّ تذكرت كيف برجل مثله وبحجم منصبه كان يجلس بيننا كطالب علم يحفظ القرآن مثله مثلنا وكيف كان تعامله باحترام مع شيوخه ومع الجميع وازداد تعجبي ودهشتي وكاد عقلي أن يشت ولكن تذكرت أني خارج الحدود!!

وقتها تمنيت أن أجد هذا الرجل في كل موقع ببلدي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.