مباحثات بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق يفيض فيه أمواج الصراع ..!

0

كتب إيمي محمد

إن فرنسا كثاني أكبر دولة، بعد أمريكا، لها حضورٌ قويٌّ في غرب كوردستان في إطار التحالف الدولي المناهض لداعش؛ فضلاً عن وجود نفوذ عسكري واستخباراتي وطبّي في المنطقة إلى جانب تقديم مساعدات هامّة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)؛ لذلك لها دراية تامّة بأن ضمان سلامة الشرق الأوسط وعدم التوسّع النفوذ التركي والإيراني في المنطقة ستضمن استقرار المنطقة.

وفي الأخير، هي تريد ضمان مصالحها في المنطقة؛ وهذا ما اتّضح جليّاً من مخاوفه حال سحب القوات الأمريكية جنوده في العراق من شرق الفرات في سوريا، وهذا ما أظفر في التدخل التركي وزيادة نفوذه في المنطقة، كما وأن انسحاب الجنود الأمريكيّين الأخيرة في العراق زادت من نفوذ الإيرانيّين في العراق. وهذا التنبؤ الفرنسي في قراءة المنطقة قد تحقّقـت، إذ إن الدول الإقليميّة في المنطقة كتركيا في شرق الفرات كانت همّها استيطان العرب والتركمان في تلك المنطقة وفصل الكورد بعضهم عن بعضهم في شمال كوردستان وغربه، كما وأن التوسّع في النفوذ الإيراني في العراق أدت إلى زيادة فصائل الحشد الشعبي حركتها بحرية تامة في العراق، وأكثريتهم لا تشتهيه رئيس الوزراء العراقي الحاليّ، لأنهم يرون أنفسهم أكبر من المنظومة الأمنية العراقية، وهذه هي كارثة الميليشيات التي ترى نفسها أكبر من مؤسسات الدولة في العراق؛ لذلك نرى أنّهم يوميّاً لا يبخلون في زعزعة الأمن والاستقرار في العراق. هذا، وإن قصف محيط مطار اربيل وبعشيقة في سهل نينوى، على مشارف تخوم اقليم كوردستان كان من ثمار زيادة تلك المليشيات، فالمليشيات أينما كانوا تحرّكهم الأجندة الخارجية وليست الوطنية.

       ومن هنا، فإن فرنسا تحسّ جيّداً بجغرافيّة كوردستان، جغرافية تتلاطم فيها أمواج العديد من الصراعات، وتزداد فيها يوماً بعد يوم النزعة التوسعيّة للدول الإقليميّة، وهذ ما تزعزع أمن تلك المنطقة، وفي الأخير تثير حفيظة مكانة القوى الدولية في المنطقة، سيّما فرنسا؛ ذلك أنّها تدّعي في سياستها دوما التطبيق الكامل للحقوق الدستورية للشعب الكوردي في العراق؛ والحفاظ على وحدة العراق وسيادته والاعتراف الكامل بالكورد وحقوقهم الدستورية في هذا السياق من خلال التزام فرنسا بمبدأين رئيسيين: أوّلهما: دعم عراقٍ قوي، موحّد، وثانيهما: الالتزام التام والكامل بدستور عام 2005، واحترام التعددية في اقليم كوردستان كما في العراق إلى جانب إطلاق حوار وطني بنّاء في العراق يتمحور حول أربعة عناصر أساسية، وهي الالتزام التامّ بدستور عام 2005 ؛ وتقليص التدريجي للعسكرة من خلال تفكيك وحلّ كلّ المليشيات وخاصّة الحشد الشعبي؛ وتحقيق التوازن في الميزانية بما يتناسق مع روح الدستور والتوزيع العادل للثروات بما يضمن العيش للمنطقة برمّتها؛ فضلاً عن الالتزام التام بحلّ مسائل المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي.  وهذا ما تعهّد الرئيس ماكرون بترجمتها في أرض الواقع  في تلك اللقاءات التي جمعها مع رئيس الإقليم نيجيرفان البارزاني في 2017 و 2020 و 2021. 

 وتأسيساً على ما سبق، فإن فرنسا جادّة في سلطة الإقليم حكومة وشعباً لتلعب دوراً إيجابياً في المنطقة؛ ولذلك يحاولون جاهداً تلطيف الأجواء بين المركز والإقليم؛ بغية تقليص المخاطر الأمنيّة التي تواجه العراق المتمثل في تأثيرات الحسد الخارج عن إدارة ورغبة الدولة العراقية؛ إلى جانب تحجيم تحركات الحزب العمال الكوردستان داخل الإقليم لكي لا يكون ذريعة للتدخل التركي فيها، والسؤال الذي يطفو على السطح هنا إلى أيّ حد يستطيع الإقليم تبني السياسة المتوازنة بين تلك القوى والدول الإقليميّة والمركز، ولكن الذي يقرأ بإيجابية أن الترحيب الحار ونزول الرئيس الفرنسي لاستقباله في الدرج له يومئ إلى سلطة الإقليم وإمكانية لعب دور كبير في المنطقة.

ويضاف إلى ذلك، وحسبما يقرأ من هذا الاستقبال وتحليل جمع من المراقبين فإن شخصية الرئيس نيجيرفان بارزاني الذي يحظى بالاحترام من قبل مختلف الأطراف داخل إقليم كوردستان والعراق والدول الإقليمية، ومنهج سياسيّو الإقليم القائم على الحوار، واتباع سياسة النهج المتوازن، إلى جانب ذهنيته المنفتحة في التعامل مع الحلفاء والخصوم وقدرته على التواصل وإيجاد نقاط الالتقاء مع القوى الإقليمية المختلفة في المنطقة، سيكون سبيلاً سليماً لحلّ المشاكل،  وكل هذا يجعل من أن ترى فرنسا، كغيرها من الدول المهتمّة بالمنطقة، في إقليم كوردستان وقيادته شريكاً موثوقاً في العمل على الملفات المهمّة في المنطقة. وهذا هو ما يفسّر عقد أربعة لقاءات بين رئيس الإقليم ورئيس الدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، منذ تولّيه رئاسة بلاده في مايو 2017.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.