مقالات

عماد نصير يكتب: افتحوا الحدود

لا شك أن ما يحدث في غزة الآن من هجوم وحشى، لا يفرق بين من يحمل السلاح ومن تحمل طفلاً رضيعاً، أو حتى من يحمل فى يده دواءً لمصاب أو مريض، أمر يستوجب تدخلاً رسمياً وعاجلاً من المجتمع الدولى، ممثلاً في حكومات وأنظمة ومؤسسات دولية، تعد هي الحكم والقاضى لكل سكان المعمورة كالأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما، وذلك أسوة بالشعوب التى انتفضت وتوحدت بشكل لافت، فى إجماع منها برفض الوحشية الصهيونية التى تبيد المجتمع “الغزاوى” بكل ساكنيه، وذلك بعد أن فشلت استخباراتها فى تحديد مواقع الأنفاق والتسليح، فكانت سياسة الضرب على غير هدى فى كل متحرك وساكن، عسى أن يصادف التفجير والهدم والقتل العشوائي مسلحين لحماس.

اللافت في الأمر هو تلك الأصوات التى ترتفع وتظهر نبراتها خشنة كالرجال، وتنعق بشكل موسمى وكأنه موسم إظهار الرجولة الزائفة، كلما مرت أحداث مشابهة بين الطرفين، وتشجب وتدين مصر بعدم فتحها للحدود على مصراعيها، قائلين: “افتحى الحدود يا مصر” وكأن الأمر نزهة محسوبة العواقب، بل وكأن مصر حكومة وشعباً تساند المعتدى الصهيونى ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وتفرح لحزنهم وتحزن لفرحهم، متجاهلين وجود مجتمع دولي يراقب ويناقش ويؤيد أو يدين، ولا يكاد الناعق بإدانة الموقف المصرى “من وجهة نظره” يدرك أن لأبناء مصر قبوراً متناثرة على أرض فلسطين حتى كتابة هذه السطور، نتيجة تحمل مصر لدورها العروبى القومى فى الزود عن قوميتها وعروبتها مهما كلف ذلك خزينتنا، وأثر سلباً على اقتصادنا.

عشرات المواقف الشجاعة اتخذتها مصر على مدار الصراع الفلسطينى الصهيونى، لا يخطئ رؤيتها إلا من طمس بصره وبصيرته معاً، ولم تفعل مصر هذا بإملاء أو توجيه من أحد، ولم تتخذ موقفاً لإثبات حالة او تسجيل موقف، بل كانت وما زالت مواقفها تتسق مع طبيعة انتمائها لعروبتها وقوميتها وتشبعها بالقضايا العربية، والإيمان الراسخ بما لها من دور محورى وتاريخى لا ينازعها فيه أحد، شاء من شاء وأبى من أبى.

عزيزى اللاهث وراء الأراء السطحية التى تستقيها أنت بالأصل من صفحات “السوشيال ميديا”، ولا تُحسن أن تعمل العقل فى مآلات الأمور واستراتيجيات الأمم وفقه الأولويات السياسية وفنون إدارة الأزمات وحرفية إدارة المشهد بشكل سياسى لا عنترى، عليك ان تخرس وتنصت وتتأدب في حضرة المواقف المصرية تجاه قوميتها وعروبتها، ولتجهد نفسك قليلاً وتحاول أن تثقف رأسك الفارغ، فحتماً ستعرف من هي مصر وما هي مواقفها، فقد تعلمنا من صناع التاريخ والقادة أن لا نستبق الأحداث، وأن لا نسيئ الحكم والظن، وإن كنت ولابد مستأسداً خلف شاشة هاتفك لا أمامها، وتتبنى آراء عنترية لأبطال العالم في الكلام فقط، عندما ينقشع الغبار، سترى أفرس تحتك أم حمار؟، فسياسات الأمم تدار برؤية الأمد والأفق البعيد، ولا تنحصر في ردة الفعل المتعجلة أو الآنية وغير المحسوبة.

أعجبنى قول أحدهم وهو شخص مصرى من عوام الناس، أثناء نقاشه مع آخرين من جنسيات عربية مختلفة، حيث قال لهم قولاً أسكتهم جميعاً “أخرجوا من بلادكم القواعد الأمريكية ثم لوموا مصر، وللمتعجل منكم ولا ألومه في موقفه إطلاقاً.. دخلتم دول العالم كله بالتهريب من الحدود البرية والبحرية، هل يعجزكم الدخول لغزة بالطريقة ذاتها؟”

نتفق جميعاً أن الموقف فى غزة لا يحتمل رفاهية “المط” السياسى الأممي، أو التراخي في استصدار قرار بوقف العدوان الغاشم على الآمنين والمدنيين العزل، إلا أن كواليس السياسة لا يفقهها إلا من تربى في أروقتها، فلا تحملوا مصر وحدها مسؤولية تركة وإرث عقود من الازدواجية في التعامل مع ذلك الملف، فالعالم بات كقرية صغيرة يعرف بعضها أحوال ومواقف بعض، وها نحن نرى الناعقين في حق مصر زوراً تعيش شعوبهم في رفاهية كل منتج واستثمار يدعم عدو قضيتهم علناً وليل نهار، ويفاخرون بذلك أيضاً، فليبدأ هؤلاء بتهذيب ألسنتهم حين يتحدثون عن مصر، ولينادوا فى بلدانهم حكومات وشعوب، باتخاذ مواقف داعمة لفلسطين ومعادية لعدوهم بالشكل الذى يطالبون مصر به، لعلهم ينتهون إلى حيث بدأت مصر.. إن كانو بالأصل يتجرأون، فلا يتجرأ أحدكم أن يزايد على الدور المصرى، وهو غير ملم أو مدرك بماهية الدور المصرى حكومة وشعباً، ولتتعلموا من دروس التاريخ المجانية، بدلاً من التعلم بأثمان لا يعرف مداها أو ذاق ويلاتها إلا من سار بدون وعي، فكانت عاقبته مؤسفة، وليعرف كل حجمه قبل الكلام عن تحجيم أو تقزيم دور مصر الذي يعرفه أهل غزة خاصة وكل الشعب الفلسطيني عامة.

نلفاكم في قعدة عرب أخرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى